فخر الدين الرازي

124

تفسير الرازي

بالضم فإنه يحتمل الوجهين ، وإذا قرىء بالنصب فلا يحتمل إلا لام العاقبة لأنهم لم يريدوا ضلال أنفسهم . وتحقيق القول في لام العاقبة أن المقصود من الشيء لا يحصل إلا في آخر المراتب كما قيل أول الفكر آخر العمل . وكل ما حصل في العاقبة كان شبيهاً بالأمر المقصود في هذا المعنى ، والمشابهة أحد الأمور المصححة لحسن المجاز ، فلهذا السبب حسن ذكر اللام في العاقبة ، ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأنواع الثلاثة من الأعمال القبيحة قال : * ( قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ) * والمراد أن حال الكافر في الدنيا كيف كانت ، فإنها بالنسبة إلى ما سيصل إليه من العقاب في الآخرة تمتع ونعيم ، فلهذا المعنى قال : * ( قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ) * وأيضاً إن هذا الخطاب مع الذين حكى الله عنهم أنهم بدلوا نعمة الله كفراً ، فأولئك كانوا في الدنيا في نعم كثيرة فلا جرم حسن قوله تعالى : * ( قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ) * وهذا الأمر يسمى أمر التهديد ونظيره قوله تعالى : * ( اعملوا ما شئتم ) * ( فصلت : 40 ) وكقوله : * ( قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار ) * ( الزمر : 8 ) . ( 31 ) * ( قُل لِّعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلَالٌ ) * اعلم أنه تعالى لما أمر الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا ، أمر المؤمنين في هذه الآية بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي * ( لعبادي ) * بسكون الياء ، والباقون : بفتح الياء لالتقاء الساكنين فحرك إلى النصب . المسألة الثانية : في قوله : * ( يقيموا ) * وجهان : الأول : يجوز أن يكون جواباً لأمر محذوف هو المقول تقديره : قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا . الثاني : يجوز أن يكون هو أمراً مقولاً محذوفاً منه لام الأمر ، أي ليقيموا كقولك : قل لزيد ليضرب عمراً وإنما جاز حذف اللام ، لأن قوله : * ( قل ) * عوض منه ولو قيل ابتداء يقيموا الصلاة لم يجز . المسألة الثالثة : أن الإنسان بعد الفراغ من الإيمان لا قدرة له على التصرف في شيء إلا في نفسه أو في ماله . أما النفس فيجب شغلها بخدمة المعبود في الصلاة وأما المال فيجب