فخر الدين الرازي

53

تفسير الرازي

والتقدير : ولقد أرسلنا موسى بشرائع وأحكام وتكاليف وأيدناه بمعجزات قاهرة وبينات باهرة الثاني : أن الآيات هي المعجزات والبينات وهو كقوله : * ( إن عندكم من سلطان بهذا ) * ( يونس : 68 ) وقوله : * ( ما أنزل الله بها من سلطان ) * ( النجم : 23 ) وعلى هذا التقدير ففي الآية وجهان : الأول : أن هذه الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته . الثاني : أن يراد السلطان المبين العصا ، لأنه أشهرها وذلك لأنه تعالى أعطى موسى تسع آيات بينات ، وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص من الثمرات والأنفس . ومنهم من أبدل نقص الثمرات والأنفس بإظلال الجبل وفلق البحر ، واختلفوا في أن الحجة لم سميت بالسلطان . فقال بعض المحققين : لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه عند النظر كما يقهر السلطان غيره ، فلهذا توصف الحجة بأنها سلطان ، وقال الزجاج : السلطان هو الحجة والسلطان سمي سلطاناً لأنه حجة الله في أرضه واشتقاقه من السليط والسليط ما يضاء به ومن هذا قيل للزيت السليط وفيه قول ثالث : وهو أن السلطان مشتق من التسليط ، والعلماء سلاطين بسبب كمالهم في القوة العلمية والملوك سلاطين بسبب ما معهم من القدرة والمكنة ، إلا أن سلطنة العلماء أكمل وأقوى من سلطنة الملوك ، لأن سلطنة العلماء لا تقبل النسخ والعزل وسلطنة الملوك تقبلهما ولأن سلطنة الملوك تابعة لسلطنة العلماء وسلطنة العلماء من جنس سلطنة الأنبياء وسلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنة . فإن قيل : إذا حملتم الآيات المذكورة في قوله : * ( بآياتنا ) * على المعجزات والسلطان أيضاً على الدلائل والمبين أيضاً معناه كونه سبباً للظهور فما الفرق بين هذه المراتب الثلاثة ؟ قلنا : الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد الظن ، وبين الدلائل التي تفيد اليقين وأما السلطان فهو اسم لما يفيد القطع واليقين ، إلا أنه اسم للقدر المشترك بين الدلائل التي تؤكد بالحس ، وبين الدلائل التي لم تتأكد بالحس ، وأما الدليل القاطع الذي تأكد بالحس فهو السلطان المبين ، ولما كانت معجزات موسى عليه السلام هكذا لا جرم وصفها الله بأنها سلطان مبين . ثم قال : * ( إلى فرعون وملائه ) * يعني وأرسلنا موسى بآياتنا بمثل هذه الآيات إلى فرعون وملائه ، أي جماعته . ثم قال : * ( فاتبعوا أمر فرعون ) * ويحتمل أن يكون المراد أمره إياهم بالكفر بموسى ومعجزاته ويحتمل أن يكون المراد من الأمر الطريق والشأن . ثم قال تعالى : * ( وما أمر فرعون برشيد ) * أي بمرشد إلى خير ، وقيل رشيد أي ذي رشد . واعلم أن بعد طريق فرعون من الرشد كان ظاهراً لأنه كان دهرياً نافياً للصانع والمعاد وكان يقول : لا إله للعالم وإنما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا بطاعة سلطانهم وعبوديته رعاية