فخر الدين الرازي

54

تفسير الرازي

لمصلحة العالم وأنكر أن يكون الرشد في عبادة الله ومعرفته فلما كان هو نافياً لهذين الأمرين كان خالياً عن الرشد بالكلية ، ثم إنه تعالى ذكر صفته وصفة قومه فقال : * ( يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ) * وفيه بحثان : البحث الأول : من حيث اللغة يقال : قدم فلان فلاناً بمعنى تقدمه ، ومنه قادمة الرجل كما يقال قدمه بمعنى تقدمه ، ومنه مقدمة الجيش . والبحث الثاني : من حيث المعنى وهو أن فرعون كان قدوة لقومه في الضلال حال ما كانوا في الدنيا وكذلك مقدمهم إلى النار وهم يتبعونه ، أو يقال كما تقدم قومه في الدنيا فأدخلهم في البحر وأغرقهم فكذلك يتقدمهم يوم القيامة فيدخلهم النار ويحرقهم ، ويجوز أيضاً أن يريد بقوله : * ( وما أمر فرعون برشيد ) * أي وما أمره بصالح حميد العاقبة ويكون قوله : * ( يقدم قومه ) * تفسيراً لذلك ، وإيضاحاً له ، أي كيف يكون أمره رشيداً مع أن عاقبته هكذا . فإن قيل : لم لم يقل : يقدم قومه فيوردهم النار ؟ بل قال : يقدم قومه فأوردهم النار بلفظ الماضي . قلنا : لأن الماضي قد وقع ودخل في الوجود فلا سبيل البتة إلى دفعه ، فإذا عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل على غاية المبالغة ، ثم قال : * ( وبئس الورد المورود ) * وفيه بحثان : البحث الأول : لفظ " النار " مؤنث ، فكان ينبغي أن يقال : وبئست الورد المورود إلا أن لفظ " الورد " مذكر ، فكان التذكير والتأنيث جائزين كما تقول : نعم المنزل دارك ، ونعمت المنزل دارك ، فمن ذكر غلب المنزل ومن أنث بنى على تأنيث الدار هكذا قاله الواحدي . البحث الثاني : الورد قد يكون بمعنى الورود فيكون مصدراً وقد يكون بمعنى الوارد . قال تعالى : * ( ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ) * ( مريم : 86 ) وقد يكون بمعنى المورود عليه كالماء الذي يورد عليه . قال صاحب " الكشاف " : الورد المورود الذي حصل وروده . فشبه الله تعالى فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء وشبه أتباعه بالواردين إلى الماء ، ثم قال بئس الورد الذي يوردونه النار ، لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد ، والنار ضده . ثم قال : * ( وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة ) * والمعنى أنهم أتبعوا في هذه الدنيا لعنة وفي يوم القيامة أيضاً ، ومعناه أن اللعن من الله ومن الملائكة والأنبياء ملتصق بهم في الدنيا وفي الآخرة لا يزول عنهم ، ونظيره قوله في سورة القصص : * ( وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ) * ( القصص : 42 ) .