فخر الدين الرازي
51
تفسير الرازي
إياي رعاية لأمر الله تعالى أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي . وأما قوله : * ( واتخذتموه وراءكم ظهرياً ) * فالمعنى : أنكم نسيتموه وجعلتموه كالشئ المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به . قال صاحب " الكشاف " : والظهري منسوب إلى الظهر ، والكسر من تغيرات النسب ونظيره قولهم في النسبة إلى الأمس إمسي بكسر الهمزة ، وقوله : * ( إن ربي بما تعملون محيط ) * يعني أنه عالم بأحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها . والنوع الثاني : قوله : * ( ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ) * والمكانة الحالة يتمكن بها صاحبها من عمله ، والمعنى اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة والقدرة وكل ما في وسعكم وطاقتكم من إيصال الشرور إلي فإني أيضاً عامل بقدر ما آتاني الله تعالى من القدرة . ثم قال : * ( سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : لقائل أن يقول لم لم يقل * ( فسوف تعلمون ) * والجواب : إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل ، وإما بحذف الفاء فإنه يجعله جواباً عن سؤال مقدر والتقدير : أنه لما قال : * ( ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ) * فكأنهم قالوا فماذا يكون بعد ذلك ؟ فقال : * ( سوف تعلمون ) * فظهر أن حذف حرف الفاء ههنا أكمل في باب الفظاعة والتهويل . ثم قال * ( وارتقبوا إني معكم رقيب ) * والمعنى : فانتظروا العاقبة إني معكم رقيب أي منتظر ، والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب والصريم بمعنى الضارب والصارم ، أو بمعنى المراقب كالعشير والنديم ، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع . قوله تعالى * ( وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ) * . روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم ، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم