فخر الدين الرازي
24
تفسير الرازي
المسألة الثالثة : أكثر ما يستعمل * ( سلام عليكم ) * بغير ألف ولام ، وذلك لأنه في معنى الدعاء ، فهو مثل قولهم : خير بين يديك . فإن قيل : كيف جاز جعل النكرة مبتدأ ؟ قلنا : النكرة إذا كانت موصوفة جاز جعلها مبتدأ ، فإذا قلت سلام عليكم : فالتنكير في هذا الموضع يدل على التمام والكمال ، فكأنه قيل : سلام كامل تام عليكم ، ونظيره قولنا : سلام عليك ، وقوله تعالى : * ( قال سلام عليك سأستغفر لك ربي ) * ( مريم : 47 ) وقوله : * ( سلام قولاً من رب رحيم ) * ( يس : 58 ) * ( سلام على نوح في العالمين ) * ( الصافات : 79 ) * ( الملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم ) * ( الرعد : 23 ، 24 ) فأما قوله تعالى : * ( والسلام على من اتبع الهدى ) * ( طه : 47 ) فهذا أيضاً جائز ، والمراد منه الماهية والحقيقة . وأقول : قوله : * ( سلام عليكم ) * أكمل من قوله : السلام عليكم ، لأن التنكير في قوله : * ( سلام عليكم ) * يفيد الكمال والمبالغة والتمام . وأما لفظ السلام : فإنه لا يفيد إلا الماهية . قال الأخفش : من العرب من يقول : سلام عليكم فيعرى قوله : سلام عن الألف واللام والتنوين ، والسبب في ذلك كثرة الاستعمال أباح هذا التخفيف ، والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ) * قالوا : مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك ، ثم جاءه الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم ، فعجل وجاء بعجل حنيذ ، فقوله : * ( فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ) * معناه : فما لبت في المجيء به بل عجل فيه ، أو التقدير : فما لبث مجيئه والعجل ولد البقرة . أما الحنيذ : فهو الذي يشوى في حفرة من الأرض بالحجارة المحماة ، وهو من فعل أهل البادية معروف ، وهو محنوذ في الأصل كما قيل : طبيخ ومطبوخ ، وقيل : الحنيذ الذي يقطر دسمه . يقال : حنذت الفرس إذا ألقيت عليه الجل حتى تقطر عرقاً . ثم قال تعالى : * ( فلما رآى أيديهم لا تصل إليه ) * أي إلى العجل ، وقال الفراء : إلى الطعام ، وهو ذلك العجل * ( نكرهم ) * أي أنكرهم . يقال : نكره وأنكره واستنكره . واعلم أن الأضياف إنما امتنعوا من الطعام لأنهم ملائكة والملائكة لا يأكلون ولا يشربون ، وإنما أتوه في صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها ، وهو كان مشغوفاً بالضيافة . وأما إبراهيم عليه السلام . فنقول : إما أن يقال : إنه عليه السلام ما كان يعلم أنهم ملائكة ، بل كان يعتقد فيهم أنهم من البشر ، أو يقال : إنه كان عالماً بأنهم من الملائكة . أما على الاحتمال الأول فسبب خوفه أمران : أحدهما : أنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس ، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به مكروهاً ، وثانيها : أن من لا يعرف إذا حضر وقدم إليه طعام فإن أكل حصل الأمن وإن لم يأكل حصل الخوف . وأما الاحتمال الثاني : وهو أنه عرف أنهم ملائكة الله تعالى ،