فخر الدين الرازي

25

تفسير الرازي

فسبب خوفه على هذا التقدير أيضاً أمران : أحدها : أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى عليه : والثاني : أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه . فإن قيل : فأي هذين الاحتمالين أقرب وأظهر ؟ قلنا : أما الذي يقول إنه ما عرف أنهم ملائكة الله تعالى فله أن يحتج بأمور : أحدها : أنه تسارع إلى إحضار الطعام ، ولو عرف كونهم من الملائكة لما فعل ذلك . وثانيها : أنه لما رآهم ممتنعين من الأكل خافهم ، ولو عرف كونهم من الملائكة لما استدل بترك الأكل على حصول الشر ، وثالثها : أنه رآهم في أول الأمر في صورة البشر ، وذلك لا يدل على كونهم من الملائكة . وأما الذي يقول : إنه عرف ذلك احتج بقوله : * ( لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) * وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف بأي سبب أرسلوا ، ثم بين تعالى أن الملائكة أزالوا ذلك الخوف عنه فقالوا : * ( لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) * ومعناه : أرسلنا بالعذاب إلى قوم لوط ، لأنه أضمر لقيام الدليل عليه في سورة أخرى ، وهو قوله : * ( إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين . لنرسل عليهم حجارة ) * ( الذاريات : 33 ) . ثم قال تعالى : * ( وامرأته قائمة ) * يعني سارة بنت آزر بن باحورا بنت عم إبراهيم عليه السلام ، وقوله : * ( قائمة ) * قيل : كانت قائمة من وراء الستر تستمع إلى الرسل ، لأنها ربما خافت أيضاً . وقيل : كانت قائمة تخدم الأضياف وإبراهيم عليه السلام جالس معهم ، ويأكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود * ( وامرأته قائمة ) * وهو قاعد . ثم قال تعالى : * ( فضحكت فبشرناها بإسحق ) * واختلفوا في الضحك على قولين : منهم من حمله على نفس الضحك ، ومنهم من حمل هذا اللفظ على معنى آخر سوى الضحك . أما الذين حملوه على نفس الضحك فاختلفوا في أنها لم ضحكت ، وذكروا وجوهاً : الأول : قال القاضي إن ذلك السبب لا بد وأن يكون سبباً جرى ذكره في هذه الآية ، وما ذاك إلا أنها فرحت بزوال ذلك الخوف عن إبراهيم عليه السلام حيث قالت الملائكة : * ( لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) * وعظم سرورها بسبب سروره بزوال خوفه ، وفي مثل هذه الحالة قد يضحك الإنسان ، وبالجملة فقد كان ضحكها بسبب قول الملائكة لإبراهيم عليه السلام * ( لا تخف ) * فكان كالبشارة ، فقيل لها : نجعل هذه البشارة بشارتين ، فكما حصلت البشارة بزوال الخوف ، فقد حصلت البشارة أيضاً بحصول الولد الذي كنتم تطلبونه من أول العمر إلى هذا الوقت وهذا تأويل في غاية الحسن . الثاني : يحتمل أنها كانت عظيمة الإنكار على قوم لوط لما كانوا عليه من الكفر والعمل الخبيث ، فلما أظهروا أنهم جاؤوا لإهلاكهم لحقها السرور فضحكت . الثالث : قال السدي قال إبراهيم عليه السلام لهم : * ( ألا تأكلون ) * قالوا :