فخر الدين الرازي
217
تفسير الرازي
فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه . المسألة الثانية : من في قوله : * ( من الملك ، ومن تأويل الأحاديث ) * للتبعيض ، لأنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا أو بعض ملك مصر وبعض التأويل . قال الأصم : إنما قال من الملك ، لأنه كان ذو ملك فوقه . واعلم أن مراتب الموجودات ثلاثة : المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله تعالى وتقدس ، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجسام ، فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة فلا يكون لها تأثير في شيء أصلاً ، وهذان القسمان متباعدان جداً ويتوسطهما قسم ثالث ، وهو الذي يؤثر ويتأثر ، وهو عالم الأرواح ، فخاصية جوهر الأرواح أنها تقبل الأثر والتصرف عن عالم نور جلال الله ، ثم إنها إذا أقبلت على عالم الأجسام تصرفت فيه وأثرت فيه ، فتعلق الروح بعالم الأجسام بالتصرف والتدبير فيه ، وتعلقه بعالم الإلهيات بالعلم والمعرفة . وقوله تعالى : * ( قد آتيتني من الملك ) * إشارة إلى تعلق النفس بعالم الأجسام وقوله : * ( وعلمتني من تأويل الأحاديث ) * إشارة إلى تعلقها بحضرة جلال الله ، ولما كان لا نهاية لدرجات هذين النوعين في الكمال والنقصان والقوة والضعف والجلاء والخفاء ، امتنع أن يحصل منهما للإنسان إلا مقدار متناه ، فكان الحاصل في الحقيقة بعضاً من أبعاض الملك ، وبعضاً من أبعاض العلم ، فلهذا السبب ذكر فيه كلمة " من " لأنها دالة على التبعيض ، ثم قال : * ( فاطر السماوات والأرض ) * وفيه أبحاث : البحث الأول : في تفسير لفظ الفاطر بحسب اللغة . قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما كنت أدري معنى الفاطر حتى احتكم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها وأنا ابتدأت حفرها . قال أهل اللغة : أصل الفطر في اللغة الشق يقال : فطر ناب البعير إذ بدا وفطرت الشيء فانفطر ، أي شققته فانشق ، وتفطر الأرض بالنبات والشجر بالورق إذا تصدعت ، هذا أصله في اللغة ، ثم صار عبارة عن الإيجاد ، لأن ذلك الشيء حال عدمه كأنه في ظلمة وخفاء فلما دخل في الوجود صار كأنه انشق عن العدم وخرج ذلك الشيء منه . البحث الثاني : أن لفظ الفاطر قد يظن أنه عبارة عن تكوين الشيء عن العدم المحض بدليل الاشتقاق الذي ذكرناه ، إلا أن الحق أنه لا يدل عليه ويدل عليه وجوه : أحدها : أنه قال : * ( الحمد لله فاطر السماوات والأرض ) * ( فاطر : 1 ) ثم بين تعالى أنه إنما خلقها من الدخان حيث قال : * ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) * ( فصلت : 11 ) فدل على أن لفظ الفاطر لا يفيد أنه أحدث ذلك الشيء من العدم المحض . وثانيها : أنه قال تعالى : * ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) * ( الروم : 30 ) مع أنه تعالى إنما خلق الناس من التراب . قال تعالى :