فخر الدين الرازي
218
تفسير الرازي
* ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ) * ( طه : 55 ) وثالثها : أن الشيء إنما يكون حاصلاً عند حصول مادته وصورته مثل الكوز ، فإنه إنما يكون موجوداً إذا صارت المادة المخصوصة موصوفة بالصفة المخصوصة ، فعند عدم الصورة ما كان ذلك المجموع موجوداً ، وبإيجاد تلك الصورة صار موجداً لذلك الكوز فعلمنا أن كونه موجداً للكون لا يقتضي كونه موجداً لمادة الكوز ، فثبت أن لفظ الفاطر لا يفيد كونه تعالى موجداً للأجزاء التي منها تركبت السماوات والأرض ، وإنما صار إلينا كونه موجداً لها بحسب الدلائل العقلية لا بحسب لفظ القرآن . واعلم أن قوله : * ( فاطر السماوات والأرض ) * يوهم أن تخليق السماوات مقدم على تخليق الأرض عند من يقول : الواو تفيد الترتيب ، ثم العقل يؤكده أيضاً ، وذلك لأن تعين المحيط يوجب تعين المركز وتعينه فإنه لا يوجب تعين المحيط ، لأنه يمكن أن يحيط بالمركز الواحد محيطات لا نهاية لها ، أما لا يمكن أن يحصل للمحيط الواحد إلا مركز واحد بعينه . وأيضاً اللفظ يفيد أن السماء كثيرة والأرض واحدة ، ووجه الحكمة فيه قد ذكرناه في قوله : * ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ) * ( الأنعام : 1 ) . البحث الثالث : قال الزجاج : نصبه من وجهين : أحدهما : على الصفة لقوله : * ( رب ) * وهو نداء مضاف في موضع النصب . والثاني : يجوز أن ينصب على نداء ثان . ثم قال : * ( أنت ولي في الدنيا والآخرة ) * والمعنى : أنت الذي تتولى إصلاح جميع مهماتي في الدنيا والآخرة فوصل الملك الفاني بالملك الباقي ، وهذا يدل على أن الإيمان والطاعة كلمة من الله تعالى إذ لو كان ذلك من العبد لكان المتولي لمصالحه هو هو ، وحينئذ يبطل عموم قوله : * ( أنت وليي في الدنيا والآخرة ) * . ثم قال : * ( توفني مسلماً وألحقني بالصالحين ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام حكى عن جبريل عليه السلام عن رب العزة أنه قال : " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين " فلهذا المعنى من أراد الدعاء فلا بد وأن يقدم عليه ذكر الثناء على الله فههنا يوسف عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء قدم عليه الثناء وهو قوله : * ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض ) * ثم ذكر عقيبه الدعاء وهو قوله : * ( توفني مسلماً وألحقني بالصالحين ) * ونظيره ما فعله الخليل صلوات الله عليه في قوله : * ( الذي خلقني فهو يهدين ) * ( الشعراء : 78 ) من هنا إلى قوله : * ( رب هب لي حكماً ) * ( الشعراء : 83 ) ثناء على الله ثم قوله : * ( رب هب لي ) * إلى آخر الكلام دعاء فكذا ههنا .