فخر الدين الرازي
3
تفسير الرازي
كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه ولكن لما انتفت قرابة الدين لا جرم نفاه الله تعالى بأبلغ الألفاظ وهو قوله : * ( إنه ليس من أهلك ) * . ثم قال تعالى : * ( إنه عمل غير صالح ) * قرأ الكسائي : عمل على صيغة الفعل الماضي ، وغير بالنصب ، والمعنى : إن ابنك عمل عملاً غير صالح يعني أشرك وكذب ، وكلمة * ( غير ) * نصب ، لأنها نعت لمصدر محذوف ، وقرأ الباقون : عمل بالرفع والتنوين ، وفيه وجهان : الأول : أن الضمير في قوله إنه عائد إلى السؤال ، يعني أن هذا السؤال عمل وهو قوله : * ( إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ) * غير صالح ، لأن طلب نجاة الكافر بعد أن سبق الحكم ، الجزم بأنه لا ينجي أحداً منهم سؤال باطل . الثاني : أن يكون هذا الضمير عائداً إلى الابن ، وعلى هذا التقدير ففي وصفه بكونه عملاً غير صالح وجوه : الأول : أن الرجل إذا كثر عمله وإحسانه يقال له : إنه علم وكرم وجود ، فكذا ههنا لما كثر إقدام ابن نوح على الأعمال الباطلة حكم عليه بأنه في نفسه عمل باطل . الثاني : أن يكون المراد أنه ذو عمل باطل ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه . الثالث : قال بعضهم معنى قوله : * ( إنه عمل غير صالح ) * أي إنه ولد زنا وهذا القول باطل قطعاً . ثم إنه تعالى قال لنوح عليه السلام : * ( فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : احتج بهذه الآية من قدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام من وجوه : الوجه الأول : أن قراءة عمل بالرفع والتنوين قراءة متواترة فهي محكمة ، وهذا يقتضي عود الضمير في قوله : * ( إنه عمل غير صالح ) * إما إلى ابن نوح وإما إلى ذلك السؤال ، فالقول بأنه عائد إلى ابن نوح لا يتم إلا بإضمار وهو خلاف الظاهر . ولا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة ولا ضرورة ههنا ، لأنا إذا حكمنا بعود الضمير إلى السؤال المتقدم فقد استغنينا عن هذا الضمير ، فثبت أن هذا الضمير عائد إلى هذا السؤال ، فكان التقدير أن هذا السؤال عمل غير صالح ، أي قولك : إن ابني من أهلي لطلب نجاته عمل غير صالح ، وذلك يدل على أن هذا السؤال كان ذنباً ومعصية . الوجه الثاني : أن قوله : * ( فلا تسألن ) * نهي له عن السؤال ، والمذكور السابق هو قوله * ( إن ابني من أهلي ) * فدل هذا على أنه تعالى نهاه عن ذلك السؤال فكان ذلك السؤال ذنباً ومعصية . الوجه الثالث : أن قوله : * ( فلا تسألن ما ليس لك به علم ) * يدل على أن ذلك السؤال كان قد صدر لا عن العلم ، والقول بغير العلم ذنب لقوله تعالى : * ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) * ( البقرة : 169 ) . الوجه الرابع : أن قوله تعالى : * ( إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) * يدل على أن ذلك السؤال