فخر الدين الرازي
4
تفسير الرازي
كان محض الجهل . وهذا يدل على غاية التقريع ونهاية الزجر ، وأيضاً جعل الجهل كناية عن الذنب مشهور في القرآن . قال تعالى : * ( يعملون السوء بجهالة ) * ( النساء : 17 ) وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : * ( أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) * ( البقرة : 67 ) . الوجه الخامس : أن نوحاً عليه السلام اعترف بإقدامه على الذنب والمعصية في هذا المقام فإنه قال : * ( إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ) * واعترافه بذلك يدل على أنه كان مذنباً . الوجه السادس : في التمسك بهذه الآية أن هذه الآية تدل على أن نوحاً نادى ربه لطلب تخليص ولده من الغرق ، والآية المتقدمة وهي قوله : * ( ونادى نوح ابنه ) * وقال : * ( يا بني اركب معنا ) * تدل على أنه عليه السلام طلب من ابنه الموافقة . فنقول : إما أن يقال إن طلب هذا المعنى من الله كان سابقاً على طلبه من الولد أو كان بالعكس ، والأول باطل لأن بتقدير أن يكون طلب هذا المعنى من الله تعالى سابقاً على طلبه من الابن لكان قد سمع من الله أنه تعالى لا يخلص ذلك الابن من الغرق ، وأنه تعالى نهاه عن ذلك الطلب ، وبعد هذا كيف قال له : * ( يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ) * وأما إن قلنا : إن هذا الطلب من الابن كان متقدماً فكان قد سمع من الابن قوله : * ( سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ) * وظهر بذلك كفره ، فكيف طلب من الله تخليصه ، وأيضاً أنه تعالى أخبر أن نوحاً لما طلب ذلك منه وامتنع هو صار من المغرقين فكيف يطلب من الله تخليصه من الغرق بعد أن صار من المغرقين ، فهذه الآية من هذه الوجوه الستة تدل على صدور المعصية من نوح عليه السلام . واعلم أنه لما دلت الدلائل الكثيرة على وجوب تنزيه الله تعالى الأنبياء عليهم السلام من المعاصي ، وجب حمل هذه الوجوه المذكورة على ترك الأفضل والأكمل ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فلهذا السبب حصل هذا العتاب والأمر بالاستغفار ، ولا يدل على سابقة الذنب كما قال : * ( إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً * فسبح بحمد ربك واستغفره ) * ( النصر : 1 - 3 ) ومعلوم أن مجيء نصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجاً ليست بذنب يوجب الاستغفار وقال تعالى : * ( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) * ( محمد : 19 ) وليس جميعهم مذنبين ، فدل ذلك على أن الاستغفار قد يكون بسبب ترك لأفضل . المسألة الثانية : قرأ نافع برواية ورش وإسماعيل بتشديد النون وإثبات الياء * ( تسألني ) * وقرأ ابن عامر ونافع برواية قالون بتشديد النون وكسرها من غير إثبات الياء ، وقرأ أبو عمرو بتخفيف