فخر الدين الرازي

15

تفسير الرازي

فإن قيل : فهذه الريح كيف تؤثر في إهلاكهم ؟ قلنا : يحتمل أن يكون ذلك لشدة حرها أو لشدة بردها أو لشدة قوتها ، فتخطف الحيوان من الأرض ، ثم تضربه على الأرض ، فكل ذلك محمل . وأما قوله : * ( نجينا هوداً ) * فاعلم أنه يجوز إتيان البلية على المؤمن وعلى الكافر معاً ، وحينئذ تكون تلك البلية رحمة على المؤمن وعذاباً على الكافر ، فأما العذاب النازل بمن يكذب الأنبياء عليهم السلام فإنه يجب في حكمة الله تعالى أن ينجي المؤمن منه ، ولولا ذلك لما عرف كونه عذاباً على كفرهم ، فلهذا السبب قال الله تعالى ههنا : * ( نجينا هوداً والذين آمنوا معه ) * . وأما قوله : * ( برحمة منا ) * ففيه وجوه : الأول : أراد أنه لا ينجو أحد وإن اجتهد في الإيمان والعمل الصالح إلا برحمة من الله ، والثاني : المراد من الرحمة : ما هداهم إليه من الإيمان بالله والعمل الصالح . الثالث : أنه رحمهم في ذلك الوقت ، وميزهم عن الكافرين في العقاب . وأما قوله : * ( ونجيناهم من عذاب غليظ ) * فالمراد من النجاة الأولى هي النجاة من عذاب الدنيا ، والنجاة الثانية من عذاب القيامة ، وإنما وصفه بكونه غليظاً تنبيهاً على أن العذاب الذي حصل لهم بعد موتهم بالنسبة إلى العذاب الذي وقعوا فيه كان عذاباً غليظاً ، والمراد من قوله تعالى : * ( ونجيناهم ) * أي حكمنا بأنهم لا يستحقون ذلك العذاب الغليظ ولا يقعون فيه . واعلم أنه تعالى لما ذكر قصة عاد خاطب قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : * ( وتلك عاد ) * فهو إشارة إلى قبورهم وآثارهم ، كأنه تعالى قال : سيروا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا . ثم إنه تعالى جمع أوصافهم ثم ذكر عاقبة أحوالهم في الدنيا والآخرة ، فأما أوصافهم فهي ثلاثة . الصفة الأولى : قوله : * ( جحدوا بآيات ربهم ) * والمراد : جحدوا دلالة المعجزات على الصدق ، أو الجحد ، ودلالة المحدثات على وجود الصانع الحكيم ، إن ثبت أنهم كانوا زنادقة . الصفة الثانية : قوله : * ( وعصوا رسله ) * والسبب فيه أنهم إذا عصوا رسولاً واحداً ، فقد عصوا جميع الرسل لقوله تعالى : * ( لا نفرق بين أحد من رسله ) * ( البقرة : 285 ) وقيل : لم يرسل إليهم إلا هود عليه السلام . الصفة الثالثة : قوله : * ( واتبعوا أمر كل جبار عنيد ) * والمعنى أن السفلة كانوا يقلدون الرؤساء في قولهم : * ( ما هذا إلا بشر مثلكم ) * ( المؤمنون : 24 ) والمراد من الجبار المرتفع المتمرد العنيد العنود والمعاند ، وهو المنازع المعارض .