فخر الدين الرازي
16
تفسير الرازي
واعلم أنه تعالى لما ذكر أوصافهم ذكر بعد ذلك أحوالهم فقال : * ( وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ) * أي جعل اللعن رديفاً لهم ، ومتابعاً ومصاحباً في الدنيا وفي الآخرة ، ومعنى اللعنة الإبعاد من رحمة الله تعالى ومن كل خير . ثم إنه تعالى بين السبب الأصلي في نزول هذه الأحوال المكروهة بهم فقال : * ( ألا إن عاداً كفروا ربهم ) * قيل : أراد كفروا بربهم فحذف الباء ، وقيل : الكفر هو الجحد فالتقدير : ألا إن عاداً جحدوا ربهم . وقيل : هو من باب حذف المضاف أي كفروا نعمة ربهم . ثم قال : * ( ألا بعداً لعاد قوم هود ) * وفيه سؤالان : السؤال الأول : اللعن هو البعد ، فلما قال : * ( وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ) * فما الفائدة في قوله : * ( ألا بعداً لعاد ) * . والجواب : التكرير بعبارتين مختلفتين يدل على غاية التأكيد . السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله : * ( لعاد قوم هود ) * . الجواب : كان عاد عادين ، فالأولى : القديمة هم قوم هود ، والثانية : هم إرم ذات العماد ، فذكر ذلك لإزالة الاشتباه . والثاني : أن المبالغة في التنصيص تدل على مزيد التأكيد . قوله تعالى * ( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الاَْرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ * قَالُواْ يا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) * . اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة وهي قصة صالح مع ثمود ، ونظمها مثل النظم المذكور في قصة هود ، إلا أن ههنا لما أمرهم بالتوحيد ذكر في تقريره دليلين : الدليل الأول : قوله : * ( هو أنشأكم من الأرض ) * وفيه وجهان :