فخر الدين الرازي

137

تفسير الرازي

قوله عيسى عليه السلام ، * ( أنبئكم بما تأكلون ، وما تدخرون في بيوتكم ) * ( آل عمران : 49 ) فالوجوه الثلاثة الأول لتقرير كونه فائقاً في علم التعبير ، والوجوه الثلاثة الأخر لتقرير كونه نبياً صادقاً من عند الله تعالى . فإن قيل : كيف يجوز حمل الآية على ادعاء المعجزة مع أنه لم يتقدم ادعاء للنبوة ؟ قلنا : إنه وإن لم يذكر ذلك لكن يعلم أنه لا بد وأن يقال : إنه كان قد ذكره ، وأيضاً ففي قوله : * ( ذلكما مما علمني ربي ) * وفي قوله : * ( واتبعت ملة آبائي ) * ما يدل على ذلك . ثم قال تعالى : * ( ذلكما مما علمني ربي ) * أي لست أخبركما على جهة الكهانة والنجوم ، وإنما أخبرتكما بوحي من الله وعلم حصل بتعليم الله . ثم قال : * ( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول : في قوله : * ( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) * توهم أنه عليه السلام كان في هذه الملة . فنقول جوابه من وجوه : الأول : أن الترك عبارة عن عدم التعرض للشيء وليس من شرطه أن يكون قد كان خائضاً فيه . والثاني : وهو الأصح أن يقال إنه عليه السلام كان عبداً لهم بحسب زعمهم واعتقادهم الفاسد ، ولعله قبل ذلك كان لا يظهر التوحيد والإيمان خوفاً منهم على سبيل التقية ، ثم إنه أظهره في هذا الوقت ، فكان هذا جارياً مجرى ترك ملة أولئك الكفرة بحسب الظاهر . المسألة الثانية : تكرير لفظ * ( هم ) * في قوله : * ( وهم بالآخرة هم كافرون ) * لبيان اختصاصهم بالكفر ، ولعل إنكارهم للمعاد كان أشد من إنكارهم للمبدأ ، فلأجل مبالغتهم في إنكار المعاد كرر هذا اللفظ للتأكيد . واعلم أن قوله : * ( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) * إشارة إلى علم المبدأ . وقوله : * ( وهم بالآخرة هم كافرون ) * إشارة إلى علم المعاد ، ومن تأمل في القرآن المجيد وتفكر في كيفية دعوة الأنبياء عليهم السلام علم أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب صرف الخلق إلى الإقرار بالتوحيد وبالمبدأ والمعاد ، وإن ما وراء ذلك عبث . ثم قال تعالى : * ( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ) * وفيه سؤالات : السؤال الأول : ما الفائدة في ذكر هذا الكلام . الجواب : أنه عليه السلام لما ادعى النبوة وتحدى بالمعجزة وهو علم الغيب قرن به كونه من أهل بيت النبوة ، وأن أباه وجده وجد أبيه كانوا أنبياء الله ورسله ، فإن الإنسان متى ادعى حرفة