فخر الدين الرازي

138

تفسير الرازي

أبيه وجده لم يستبعد ذلك منه ، وأيضاً فكما أن درجة إبراهيم عليه السلام وإسحاق ويعقوب كان أمراً مشهوراً في الدنيا ، فإذا ظهر أنه ولدهم عظموه ونظروا إليه بعين الإجلال ، فكان انقيادهم له أتم وأثر قلوبهم بكلامه أكمل . السؤال الثاني : لما كان نبياً فكيف قال : إني اتبعت ملة آبائي ، والنبي لا بد وأن يكون مختصاً بشريعة نفسه . قلنا : لعل مراده التوحيد الذي لم يتغير ، وأيضاً لعله كان رسولاً من عند الله ، إلا أنه كان على شريعة إبراهيم عليه السلام . السؤال الثالث : لم قال : * ( ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ) * وحال كل المكلفين كذلك ؟ والجواب : ليس المراد بقوله : * ( ما كان لنا ) * أنه حرم ذلك عليهم ، بل المراد أنه تعالى ظهر آباءه عن الكفر ، ونظيره قوله : * ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ) * ( مريم : 35 ) . السؤال الرابع : ما الفائدة في قوله : * ( من شيء ) * . الجواب : أن أصناف الشرك كثيرة ، فمنهم من يعبد الأصنام ، ومنهم من يعبد النار ، ومنهم من يعبد الكواكب ، ومنهم من يعبد العقل والنفس والطبيعة ، فقوله : * ( ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ) * رد على كل هؤلاء الطوائف والفرق ، وإرشاد إلى الدين الحق ، وهو أنه لا موجد إلا الله ولا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله . ثم قال : * ( ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ) * وفيه مسألة . وهي أنه قال : * ( ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ) * . ثم قال : * ( ذلك من فضل الله ) * فقوله : * ( ذلك ) * إشارة إلى ما تقدم من عدم الإشراك ، فهذا يدل على أن عدم الإشراك وحصول الإيمان من الله . ثم بين أن الأمر كذلك في حقه بعينه ، وفي حق الناس . ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون ، ويجب أن يكون المراد أنهم لا يشكرون الله على نعمة الإيمان ، حكي أن واحداً من أهل السنة دخل على بشر بن المعتمر ، وقال : هل تشكر الله على الإيمان أم لا . فإن قلت : لا ، فقد خالفت الإجماع ، وإن شكرته فكيف تشكره على ما ليس فعلاً له ، فقال له بشر إنا نشكره على أنه تعالى أعطانا القدرة والعقل والآلة ، فيجب علينا أن نشكره على إعطاء القدرة والآلة ، فأما أن نشكره على الإيمان مع أن الإيمان ليس فعلاً له ، فذلك باطل ، وصعب الكلام على بشر ، فدخل عليهم ثمامة بن الأشرس وقال : إنا لا نشكر الله على الإيمان ، بل الله يشكرنا عليه كما قال : * ( أولئك كان سعيهم مشكوراً ) * ( الإسراء : 19 ) فقال بشر : لما صعب الكلام سهل .