فخر الدين الرازي
24
تفسير الرازي
قال تعالى : * ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ) * ( الحج : 5 ) وإن جذ من نباتها شيء أخلف ونبت مكانه آخر مثله ، وإن قطع غصن من أغصان الأشجار أخلف ، وإن جرح التأم ، وهذه الأحوال شبيهة بالأحوال التي ذكرناها للحيوان . ثم إذا جاء الشتاء واشتد البرد غارت عيونها وجفت رطوبتها وفسدت بقولها ، ولو قطعنا غصناً من شجرة ما أخلف ، فكانت هذه الأحوال شبيهة بالموت بعد الحياة . ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة ، فإذا عقلنا هذه المعاني في إحدى الصورتين ، فلم لا نعقل مثله في الصورة الثانية ، بل نقول لا شك أن الإنسان أشرف من سائر الحيوانات ، والحيوان أشرف من النبات ، وهو أشرف من الجمادات . فإذا حصلت هذه الأحوال في الأرض ، فلم لا يجوز حصولها في الإنسان . فإن قالوا : إن أجساد الحيوان تتفرق وتتمزق بالموت ، وأما الأرض فليست كذلك . فالجواب : أن الإنسان عبارة عن النفس الناطقة ، وهو جوهر باق ، أو إن لم نقل بهذا المذهب فهو عبارة عن أجزاء أصلية باقية من أول وقت تكون الجنين إلى آخر العمر ، وهي جارية في البدن ، وتلك الأجزاء باقية ، فزال هذا السؤال . الحجة العاشرة : لا شك أن بدن الحيوان إنما تولد من النطفة ، وهذه النطفة إنما اجتمعت من جميع البدن ، بدليل أن عند انفصال النطفة يحصل الضعف والفتور في جميع البدن ، ثم إن مادة تلك النطفة إنما تولدت من الأغذية المأكولة ، وتلك الأغذية إنما تولدت من الأجزاء العنصرية وتلك الأجزاء كانت متفرقة في مشارق الأرض ومغاربها ، واتفق لها أن اجتمعت ، فتولد منها حيوان أو نبات فأكله إنسان ، فتولد منه دم فتوزع ذلك الدم على أعضائه ، فتولد منها أجزاء لطيفة . ثم عند استيلاء الشهوة سال من تلك الرطوبات مقدار معين ، وهو النطفة ، فانصب إلى فم الرحم ، فتولد منه هذا الإنسان ، فثبت أن الأجزاء التي منها تولد بدن الإنسان كانت متفرقة في البحار والجبال وأوج الهواء ، ثم إنها اجتمعت بالطريق المذكور ، فتولد منها هذا البدن ، فإذا مات تفرقت تلك الأجزاء على مثال التفرق الأول . وإذا ثبت هذا فنقول وجب القطع أيضاً بأنه لا يمتنع أن يجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول ، وأيضاً ، فذلك المني لما وقع في رحم الأم ، فقد كان قطرة صغيرة ثم تولد منه بدن الإنسان وتعلقت الروح به حال ما كان ذلك البدن في غاية الصغر ، ثم إن ذلك البدن لا شك أنه في غاية الرطوبة ، ولا شك أنه يتحلل منه أجزاء كثيرة بسبب عمل الحرارة الغريزية فيها ، وأيضاً فتلك الأجزاء البدنية الباقية أبداً في طول العمر تكون في التحلل ، ولولا ذلك لما حصل الجوع ، ولما