فخر الدين الرازي
25
تفسير الرازي
حصلت الحاجة إلى الغذاء ، مع أنا نقطع بأن هذا الإنسان الشيخ ، هو عين ذلك الإنسان الذي كان في بطن أمه . ثم انفصل ، وكان طفلاً ثم شاباً ، فثبت أن الأجزاء البدنية دائمة التحلل ، وأن الإنسان هو هو بعينه . فوجب القطع بأن الإنسان ، إما أن يكون جوهراً مفارقاً مجرداً ، وإما أن يكون جسماً نورانياً لطيفاً باقياً مع تحلل هذا البدن ، فإذا كان الأمر كذلك فعلى التقديرين لا يمتنع عوده إلى الجثة مرة أخرى ، ويكون هذا الإنسان العائد عين الإنسان الأول ، فثبت أن القول بالمعاد صدق . الحجة الحادية عشر : ما ذكره الله تعالى في قوله : * ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ) * واعلم أن قوله سبحانه : * ( خلقناه من نطفة ) * ( يس : 77 ) إشارة إلى ما ذكرناه في الحجة العاشرة من أن تلك الأجزاء كانت متفرقة في مشارق الأرض ومغاربها ، فجمعها الله تعالى وخلق من تركيبها هذا الحيوان ، والذي يقويه قوله سبحانه : * ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ) * ( المؤمنون : 12 ، 13 ) فإن تفسيره هذه الآية إنما يصح بالوجه الذي ذكرناه ، وهو أن السلالة من الطين يتكون منها نبات ، ثم إن ذلك النبات يأكله الإنسان فيتولد منه الدم ، ثم الدم ينقلب نطفة ، فبهذا الطريق ينتظم ظاهر هذه الآية . ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر هذا المعنى حكى كلام المنكر ، وهو قوله تعالى : * ( قال من يحيي العظام وهي رميم ) * ( يس : 78 ) ثم إنه تعالى بين إمكان هذا المذهب . واعلم أن إثبات إمكان الشيء لا يعقل إلا بطريقين : أحدهما : أن يقال : إن مثله ممكن ، فوجب أن يكون هذا أيضاً ممكناً . والثاني : أن يقال : إن ما هو أعظم منه وأعلى حالاً منه ، فهو أيضاً ممكن . ثم إنه تعالى ذكر الطريق الأول أولاً فقال : * ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) * ( يس : 79 ) ثم فيه دقيقة وهي أن قوله : * ( قل يحييها ) * إشارة إلى كمال القدرة ، وقوله : * ( وهو بكل خلق عليم ) * إشارة إلى كمال العلم . ومنكروا الحشر والنشر لا ينكرونه إلا لجهلهم بهذين الأصلين ، لأنهم تارة يقولون : إنه تعالى موجب بالذات ، والموجب بالذات لا يصح منه القصد إلى التكوين ، وتارة يقولون إنه يمتنع كونه عالماً بالجزئيات ، فيمتنع منه تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو ، ولما كانت شبه الفلاسفة مستخرجة من هذين الأصلين ، لا جرم كلما ذكر الله تعالى مسألة المعاد أردفه بتقرير هذين الأصلين ثم إنه تعالى ذكر بعده الطريق الثاني ، وهو الاستدلال بالأعلى على الأدنى ، وتقريره من وجهين : الأول : أن الحياة لا تحصل إلا بالحرارة والرطوبة ، والتراب بارد يابس ، فحصلت المضادة بينهما . إلا أنا نقول : الحرارة النارية أقوى في صفة الحرارة من الحرارة الغريزية ، فلما لم يمتنع تولد الحرارة النارية عن الشجر الأخضر مع كمال ما بينهما من المضادة ، فكيف يمتنع حدوث الحرارة الغريزية