فخر الدين الرازي

8

تفسير الرازي

مسلم استحق التعزير ، وإن دخل بإذن لم يعزر ، والأولى تعظيم المساجد ، ومنعهم منها ، وقد أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثقيف في المسجد ، وهم كفار . وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام وهو كافر . أما قوله تعالى : * ( شاهدين على أنفسهم بالكفر ) * قال الزجاج : قوله : * ( شاهدين ) * حال والمعنى ما كان لهم أن يعمروا المساجد حال كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر ، وذكروا في تفسير هذه الشهادة وجوها : الأول : وهو الأصح أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب القرآن وإنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، وكل ذلك كفر ، فمن يشهد على نفسه بكل هذه الأشياء فقد شهد على نفسه بما هو كفر في نفس الأمر ، وليس المراد أنهم شهدوا على أنفسهم بأنهم كافرين الثاني : قال السدي : شهادتهم على أنفسهم بالكفر ، هو أن النصراني إذا قيل له من أنت . فيقول : نصراني . واليهودي يقول يهودي وعابد الوثن يقول : أنا عابد الوثن ، وهذا الوجه إنما يتقرر بما ذكرناه في الوجه الأول . الثالث : أن الغلاة منهم كانوا يقولون كفرنا بدين محمد وبالقرآن فلعل المراد ذلك . الرابع : أنهم كانوا يطوفون عراة يقولون لا نطوف عليها بثياب عصينا الله فيها ، وكلما طافوا شوطاً سجدوا للأصنام ، فهذا هو شهادتهم على أنفسهم بالشرك . الخامس : أنهم كانوا يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك . السادس : نقل عن ابن عباس : أنه قال : المراد أنهم يشهدون على الرسول بالكفر . قال : وإنما جاز هذا التفسير لقوله تعالى : * ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) * قال القاضي : هذا الوجه عدول عن الحقيقة ، وإنما يجوز المصير إليه لو تعذر إجراء اللفظ على حقيقته . أما لما بينا أن ذلك جائز لم يجز المصير إلى هذا المجاز . وأقول : لو قرأ أحد من السلف * ( شاهدين على أنفسهم بالكفر ) * من قولك : زيد نفيس وعمرو أنفس منه ، لصح هذا الوجه من عدول فيه عن الظاهر . ثم قال : * ( أولئك حبطت أعمالهم ) * والمراد منه : ما هو الفصل الحق في هذا الكتاب ، وهو أنه إن كان قد صدر عنهم عمل من أعمال البر ، مثل إكرام الوالدين ، وبناء الرباطات ، وإطعام الجائع ، وإكرام الضيف فكل ذلك باطل ، لأن عقاب كفرهم زائد على ثواب هذه الأشياء فلا يبقى لشيء منها أثر في استحقاق الثواب والتعظيم مع الكفر . وأما الكلام في الإحباط فقد تقدم في هذا الكتاب مراراً فلا نعيده . ثم قال : * ( وفي النار هم خالدون ) * وهو إشارة إلى كونهم مخلدين في النار . واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة لا يبقى مخلداً في النار من وجهين : الأول : أن قوله : * ( وفي النار