فخر الدين الرازي
9
تفسير الرازي
هم خالدون ) * يفيد الحصر ، أي هم فيها خالدون لا غيرهم ، ولما كان هذا الكلام وارد في حق الكفار ، ثبت أن الخلود لا يحصل إلا للكافر . الثاني : أنه تعالى جعل الخلود في النار جزاء للكفار على كفرهم ، ولو كان هذا الحكم ثابتاً لغير الله لما صح تهديد الكافر به ، ثم إنه تعالى لما بين أن الكافر ليس له أن يشتغل بعمارة المسجد ، بين أن المشتغل بهذا العمل يجب أن يكون موصوفاً بصفات أربعة : الصفة الأولى : قوله : * ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) * وإنما قلنا إنه لا بد من الإيمان بالله لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد الله فيه ، فما لم يكن مؤمناً بالله ، امتنع أن يبني موضعاً يعبد الله فيه ، وإنما قلنا إنه لا بد من أن يكون مؤمناً بالله واليوم الآخر لأن الاشتغال بعبادة الله تعالى إنما تفيد في القيامة ، فمن أنكر القيامة لم يعبد الله ، ومن لم يعبد الله لم يبن بناء لعبادة الله تعالى . فإن قيل : لم لم يذكر الإيمان برسول الله ؟ قلنا فيه وجوه : الأول : أن المشركين كانوا يقولون : إن محمداً إنما ادعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك ، فههنا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ، وترك النبوة كأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدأ والمعاد ، فذكر المقصود الأصلي وحذف ذكر النبوة تنبيهاً للكفار على أنه لا مطلوب له من الرسالة إلا هذا القدر . الثاني : أنه لما ذكر الصلاة ، والصلاة لا تتم إلا بالأذان والإقامة والتشهد ، وهذه الأشياء مشتملة على ذكر النبوة كان ذلك كافياً . الثالث : أنه ذكر الصلاة ، والمفرد المحلى بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق ، ثم المعهود السابق من الصلاة من المسلمين ليس إلا الأعمال التي كان أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان ذكر الصلاة دليلاً على النبوة من هذا الوجه . الصفة الثانية : قوله : * ( وأقام الصلاة ) * والسبب فيه أن المقصود الأعظم من بناء المساجد إقامة الصلوات ، فالإنسان ما لم يكن مقراً بوجوب الصلوات امتنع أن يقدم على بناء المساجد . الصفة الثالثة : قوله : * ( وآتى الزكاة ) * . واعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل على أن المراد من عمارة المسجد الحضور فيه ، وذلك لأن الإنسان إذا كان مقيماً للصلاة فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد به ، وإذا كان مؤتياً للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به . وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فإيتاء الزكاة معتبر في هذا