فخر الدين الرازي

81

تفسير الرازي

وأزجر عن المعصية ، ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى فقال : * ( لا يجليها لوقتها ) * التجلية إظهار الشيء والتجلي ظهوره ، والمعنى : لا يظهرها في وقتها المعين * ( إلا هو ) * أي لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإعلام والإخبار إلا هو . ثم قال تعالى : * ( ثقلت في السماوات والأرض ) * والمراد وصف الساعة بالثقل ونظيره قوله تعالى : * ( ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً ) * ( الإنسان : 27 ) وأيضاً وصف الله تعالى زلزلة الساعة بالعظم فقال : * ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) * ( الحج : 1 ) ووصف عذابها بالشدة فقال : * ( وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) * ( الحج : 2 ) . إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين في تفسير قوله : * ( ثقلت في السماوات والأرض ) * وجوه : قال الحسن : ثقل مجيئها على السماوات والأرض ، لأجل أن عند مجيئها شققت السماوات وتكورت الشمس والقمر وانتثرت النجوم وثقلت على الأرض لأجل أن في ذلك اليوم تبدل الأرض غير الأرض ، وتبطل الجبال والبحار ، وقال أبو بكر الأصم : إن هذا اليوم ثقيل جداً على أهل السماء والأرض ، لأن فيه فناءهم وهلاكهم وذلك ثقيل على القلوب . وقال قوم : إن هذا اليوم عظيم الثقل على القلوب بسبب أن الخلق يعلمون أنهم يصيرون بعدها إلى البعث والحساب والسؤال والخوف من الله في مثل هذا اليوم شديد . وقال السدي : * ( ثقلت ) * أي خفيت في السماوات والأرض ولم يعلم أحد من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين متى يكون حدوثها ووقوعها . وقال قوم : * ( ثقلت في السماوات والأرض ) * أي ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين على أهل السماوات والأرض ، وكما يقال في المحمول الذي يتعذر حمله أنه قد ثقل على حامله ، فكذلك يقال في العلم الذي استأثر الله تعالى به أنه يثقل عليهم . ثم قال : * ( لا تأتيكم إلا بغتة ) * وهذا أيضاً تأكيد لما تقدم وتقرير لكونها بحيث لا تجيء إلا بغتة فجأة على حين غفلة من الخلق . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الساعة تفجأ الناس ، فالرجل يصلح موضعه ، والرجل يسقي ماشيته ، والرجل يقوم بسلعته في سوقه . والرجل يخفض ميزانه ويرفعه " وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك " . ثم قال تعالى : * ( يسألونك كأنك حفي عنها ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الحفي وجوه : الأول : الحفي البار اللطيف قال ابن الأعرابي : يقال حفى بي حفاوة وتحفى بي تحفياً ، والحفي الكلام واللقاء الحسن ، ومنه قوله تعالى : * ( إنه كان بي حفياً ) * أي باراً لطيفاً يجيب دعائي إذا دعوته ، فعلى هذا التقدير يسألونك كأنك بار بهم لطيف العشرة معهم