فخر الدين الرازي

82

تفسير الرازي

وعلى هذا قول الحسن وقتادة والسدي ، ويؤيد هذا القول ما روي في تفسيره إن قريشاً قالت لمحمد عليه السلام : إن بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى الساعة . فقال تعالى : * ( يسألونك كأنك حفي عنها ) * أي كأنك صديق لهم بار بمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم . والقول الثاني : * ( حفي عنها ) * أي كثير السؤال عنها شديد الطلب لمعرفتها ، وعلى هذا القول * ( حفي ) * فعيل من الإحفاء وهو الإلحاح والإلحاف في السؤال ، ومن أكثر السؤال والبحث عن الشيء علمه ، قال أبو عبيدة هو من قولهم تحفى في المسألة ، أي استقصى . فقوله : * ( كأنك حفي عنها ) * أي كأنك أكثرت السؤال عنها وبالغت في طلب علمها . قال صاحب " الكشاف " : هذا الترتيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب ، وإحفاء البقل استئصاله ، وأحفى في المسألة إذا ألحف ، وحفى بفلان وتحفى به بالغ في البر به ، وعلى هذا التقدير : فالقولان الأولان متقاربان . المسألة الثانية : في قوله : * ( عنها ) * وجهان : الأول : أن يكون فيه تقديم وتأخير والتقدير : يسألونك عنها كأنك حفي بها ثم حذف قوله : " بها " لطول الكلام ولأنه معلوم لا يحصل الالتباس بسبب حذفه . والثاني : أن يكون التقدير : يسألونك كأنك حفي بهم لأن لفظ الحفي يجوز أن يعدى تارة بالباء وأخرى بكلمة عن ويؤكد هذا الوجه بقراءة ابن مسعود * ( كأنك حفي بها ) * . المسألة الثالثة : قوله : * ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) * سؤال عن وقت قيام الساعة وقوله ثانياً : * ( يسألونك كأنك حفي عنها ) * سؤال عن كنه ثقل الساعة وشدتها ومهابتها ، فلم يلزم التكرار : أجاب عن الأول بقوله : * ( إنما علمها عند ربي ) * . وأجاب عن الثاني بقوله : * ( إنما علمها عند الله ) * والفرق بين الصورتين أن السؤال الأول كان واقعاً عن وقت قيام الساعة . والسؤال الثاني كان واقعاً عن مقدار شدتها ومهابتها ، وأعظم أسماء الله مهابة وعظمة هو قوله عند السؤال عن مقدار شدة القيامة الاسم الدال على غاية المهابة ، وهو قولنا الله ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله : * ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) * وفيه وجوه : أحدها : ولكن أكثر الناس لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقته المعين عن الخلق .