فخر الدين الرازي
61
تفسير الرازي
فإن قالوا : العبد إنما سعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الفاسد الباطل ، لأنه اشتبه الأمر عليه وظن أنه هو الاعتقاد الحق الصحيح . فنقول : فعلى هذا التقدير : إنما وقع في هذا الجهل لأجل ذلك الجهل المتقدم ، فإن كان إقدامه على ذلك الجهل السابق لجهل آخر لزم التسلسل وهو محال ، وإن انتهى إلى جهل حصل ابتداء لا لسابقة جهل آخر ، فقد توجه الإلزام وتأكد الدليل والبرهان ، فثبت أن هذه البراهين العقلية ناطقة بصحة ما دل عليه صريح قوله سبحانه وتعالى : * ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس ) * قالت المعتزلة : لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، لأن كثيراً من الآيات دالة على أنه أراد من الكل الطاعة . والعبادة والخير والصلاح . قال تعالى : * ( إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً * لتؤمنوا بالله ورسوله ) * ( الفتح : 8 ، 9 ) وقال : * ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) * ( النساء : 64 ) وقال : * ( ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ) * ( الفرقان : 50 ) وقال : * ( هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) * ( الحديد : 9 ) وقال : * ( وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) * ( الحديد : 25 ) وقال : * ( يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ) * ( إبراهيم : 10 ) وقال : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) وأمثال هذه الآيات كثيرة ، ونحن نعلم بالضرورة أنه لا يجوز وقوع التناقض في القرآن ، فعلمنا أنه لا يمكن حمل قوله تعالى : * ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس ) * على ظاهره . الوجه الثاني : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : * ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ) * وهو تعالى إنما ذكر ذلك في معرض الذم لهم ، ولو كانوا مخلوقين للنار ، ولما كانوا قادرين على الإيمان البتة وعلى هذا التقدير فيقبح ذمهم على ترك الإيمان . الوجه الثالث : وهو أنه تعالى لو خلقهم للنار لما كان له على أحد من الكفار نعمة أصلاً ، لأن منافع الدنيا بالقياس إلى العذاب الدائم ، كالقطرة في البحر ، وكان كمن دفع إلى إنسان حلواً مسموماً فإنه لا يكون منعماً عليه ، فكذا ههنا . ولما كان القرآن مملوء من كثرة نعمة الله على كل الخلق ، علمنا أن الأمر ليس كما ذكرتم . الوجه الرابع : أن المدح والذم ، والثواب والعقاب ، والترغيب والترهيب يبطل هذا المذهب الذي ينصرونه . الوجه الخامس : لو أنه تعالى خلقهم للنار ، لوجب أن يخلقهم ابتداء في النار ، لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم . الوجه السادس : أن قوله : * ( ولقد ذرأنا لجهنم ) * متروك الظاهر ، لأن جهنم اسم لذلك الموضع