فخر الدين الرازي

62

تفسير الرازي

المعين ، ولا يجوز أن يكون الموضع المعين مراداً منه ، فثبت أنه لا بد وأن يقال : إن ما أراد الله تعالى بخلقهم منهم محذوف ، فكأنه قال : ولقد ذرأنا لكي يكفروا فيدخلوا جهنم ، فصارت الآية على قولهم متروكة الظاهر ، فيجب بناؤها على قوله : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * لأن ظاهرها يصح دون حذف . الوجه السابع : أنه إذا كان المراد أنه إذا ذرأهم لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم ، عاد الأمر في تأويلهم إلى أن هذه اللام للعاقبة ، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنه لا استحقاق للنار ، ونحن قد قلناها على عاقبة حاصلة مع استحقاق النار ، فكان قولنا أولى ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وتقريره : أنه لما كانت عاقبة كثير من الجن والأنس ، هي الدخول في نار جهنم ، جائز ذكر هذه اللام بمعنى العاقبة ، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والشعر : أما القرآن فقوله تعالى : * ( وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ) * ( الأنعام : 105 ) ومعلوم أنه تعالى ما صرفها ليقولوا ذلك ، لكنهم لما قالوا ذلك ، حسن ورود هذا اللفظ ، وأيضاً قال تعالى : * ( ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ) * ( يونس : 88 ) وأيضاً قال تعالى : * ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ) * ( القصص : 8 ) وهم ما التقطوه لهذا الغرض إلا أنه لما كانت عاقبة أمرهم ذلك ، حسن هذا اللفظ ، وأما الشعر فأبيات قال : وللموت تغدوا الوالدات سخالها * كما لخراب الدهر تبنى المساكن وقال : أموالنا لذوي الميراث نجمعها * ودورنا لخراب الدهر نبنيها وقال : له ملك ينادي كل يوم * لدوا للموت وابنو للخراب وقال : وأم سماك فلا تجزعي * فللموت ما تلد الوالدة هذا منتهى كلام القوم في الجواب . واعلم أن المصير في التأويل إنما يحسن إذا ثبت بالدليل امتناع العقل حمل هذا اللفظ على ظاهره ، وأما لما ثبت بالدليل أنه لا حق إلا ما دل عليه ظاهر اللفظ ، كان المصير إلى التأويل في مثل هذا المقام عبثاً . وأما الآيات التي تمسكوا بها في إثبات مذهب المعتزلة ، فهي : معارضة بالبحار الزاخرة المملوءة من الآيات الدالة على مذهب أهل السنة ، ومن جملتها ما قبل هذه الآية وهو قوله : * ( من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ) * ( الأعراف : 178 ) وهو صريح مذهبنا ، وما بعد هذه الآية وهو قوله : * ( والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملى لهم إن كيدي متين ) * ( الأعراف : 182 ، 183 ) ولما كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس ، إلا ما يقوي قولنا ويشيد مذهبنا ، كان كلام