فخر الدين الرازي
7
تفسير الرازي
واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا المذهب والمقالة احتج على فساد كون ذلك العجل إلهاً بقوله : * ( ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً اتخذوه وكانوا ظالمين ) * وتقرير هذا الدليل أن هذا العجل لا يمكنه أن يكلمهم ولا يمكنه أن يهديهم إلى الصواب والرشد ، وكل من كان كذلك كان إما جماداً وإما حيواناً عاجزاً ، وعلى التقديرين فإنه لا يصلح للإلهية ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن من لا يكون متكلماً ولا هادياً إلى السبيل لم يكن إلهاً لأن الإله هو الذي له الأمر والنهي ، وذلك لا يحصل إلا إذا كان متكلماً ، فمن لا يكون متكلماً لم يصح منه الأمر والنهي ، والعجل عاجز عن الأمر والنهي فلم يكن إلهاً . وقالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن شرط كونه إلهاً أن يكون هادياً إلى الصدق والصواب ، فمن كان مضلاً عنه وجب أن لا يكون إلهاً . فإن قيل : فهذا يوجب أنه لو صح أن يتكلم ويهدي ، يجوز أن يتخذ إلهاً ، وإلا فإن كان إثبات ذلك كنفيه في أنه لا يجوز أن يتخذ إلهاً فلا فائدة فيما ذكرتم . والجواب من وجهين : الأول : لا يبعد أن يكون ذلك شرطاً لحصول الإلهية ، فيلزم من عدمه عدم الإلهية وإن كان لا يلزم من حصوله حصول الإلهية . الثاني : أن كل من قدر على أن يكلمهم وعلى أن يهديهم إلى الخير والشر فهو إله ، والخلق لا يقدرون على الهداية ، إنما يقدرون على وصف الهداية ، فأما على وضع الدلائل ونصبها فلا قادر عليه إلا الله سبحانه وتعالى . واعلم أنه ختم الآية بقوله : * ( وكانوا ظالمين ) * أي كانوا ظالمين لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى واشتغلوا بعبادة العجل . والله أعلم . * ( وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) * . اعلم أنهم اتفقوا على أن المراد من قوله : * ( سقط في أيديهم ) * أنه اشتد ندمهم على عبادة العجل واختلفوا في الوجه الذي لأجله حسنت هذه الاستعارة . فالوجه الأول : قال الزجاج : معناه سقط الندم في أيديهم ، أي في قلوبهم كما يقال حصل في يديه مكروه ، وإن كان من المحال حصول المكروه الواقع في اليد ، إلا أنهم أطلقوا على المكروه الواقع في القلب والنفس كونه واقعاً في اليد ، فكذا ههنا .