فخر الدين الرازي

8

تفسير الرازي

والوجه الثاني : قال صاحب " الكشاف " : إنما يقال لمن ندم سقط في يده لأن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده غماً ، فيصير ندمه مسقوطاً فيها ، لأن فاه قد وقع فيها . والوجه الثالث : أن السقوط عبارة عن نزول الشيء من أعلى إلى أسفل ، ولهذا قالوا سقط المطر ، ويقال : سقط من يدك شيء وأسقطت المرأة ، فمن أقدم على عمل فهو إنما يقدم عليه لاعتقاده أن ذلك العمل خير وصواب ، وأن ذلك العمل يورثه شرفاً ورفعة ، فإذا بان له أن ذلك العمل كان باطلاً فاسداً فكأنه قد انحط من الأعلى إلى الأسفل وسقط من فوق إلى تحت ، فلهذا السبب يقال للرجل إذا أخطأ : كان ذلك منه سقطة ، شبهوا ذلك بالسقطة على الأرض ، فثبت أن إطلاق لفظ السقوط على الحالة الحاصلة عند الندم جائز مستحسن ، بقي أن يقال : فما الفائدة في ذكر اليد ؟ فنقول : اليد هي الآلة التي بها يقدر الإنسان على الأخذ والضبط والحفظ ، فالنادم كأنه يتدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم ويشتغل بتلافيها ، فكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث إن بعد حصول ذلك الندم اشتغل بالتدارك والتلافي . والوجه الرابع : حكى الواحدي عن بعضهم : أن هذا مأخوذ من السقيط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج . يقال : منه سقطت الأرض كما يقال : من الثلج ثلجت الأرض وثلجنا أي أصابها الثلج ، ومعنى سقط في يده أي وقع في يده السقيط ، والسقيط يذوب بأدنى حرارة ولا يبقى ، فمن وقع في يده السقيط لم يحصل منه على شيء قط فصار هذا مثلاً لكل من خسر في عاقبته ولم يحصل من سعيه على طائل ، وكانت الندامة آخر أمره . والوجه الخامس : قال بعض العلماء : النادم إنما يقال له سقط في يده ، لأنه يتحير في أمره ويعجز عن أعماله والآلة الأصلية في الأعمال في أكثر الأمر هي اليد . والعاجز في حكم الساقط فلما قرن السقوط بالأيدي علم أن السقوط في اليد إنما حصل بسبب العجز التام ويقال في العرف لمن لا يهتدي لما يصنع ، ضلت يده ورجله . والوجه السادس : إن من عادة النادم أن يطأطئ رأسه ويضعه على يده معتمداً عليه وتارة يضعها تحت ذقنه ، وشطر من وجهه على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه فكانت اليد مسقوط فيها لتمكن السقوط فيها ويكون قوله سقط في أيديهم بمعنى سقط على أيديهم ، كقوله : * ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) * ( 71 ) أي عليها ، والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( ورأوا أنهم قد ضلوا ) * أي قد تبينوا ضلالهم تبييناً كأنهم أبصروه بعيونهم قال القاضي : يجب أن يكون المؤخر مقدماً لأن الندم والتحير إنما يقطعان بعد المعرفة فكأنه تعالى قال :