فخر الدين الرازي
54
تفسير الرازي
ابن باعوراء ، وذلك لأن موسى عليه السلام قصد بلده الذي هو فيه ، وغزا أهله وكانوا كفاراً ، فطلبوا منه أن يدعو على موسى عليه السلام وقومه ، وكان مجاب الدعوة ، وعنده اسم الله الأعظم فامتنع منه ، فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليه فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه ، فقال موسى : يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه . فقال : بدعاء بلعم . فقال : كما سمعت دعاءه علي ، فاسمع دعائي عليه ، ثم دعا موسى عليه أن ينزع منه اسم الله الأعظم والإيمان ، فسلخه الله مما كان عليه ونزع منه المعرفة . فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته . ويقال أيضاً : إنه كان نبياً من أنبياء الله ، فلما دعا عليه موسى انتزع الله منه الإيمان وصار كافراً . وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم ، وأبو روق : نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت ، وكان قد قرأ الكتب ، وعلم أن الله مرسل رسولاً في ذلك الوقت ، ورجا أن يكون هو ، فلما أرسل الله محمداً عليه الصلاة والسلام حسده ، ثم مات كافراً ، ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : " آمن شعره وكفر قلبه " يريد أن شعره كشعر المؤمنين ، وذلك أنه يوحد الله في شعره ، ويذكر دلائل توحيده من خلق السماوات والأرض ، وأحوال الآخرة ، والجنة والنار . وقيل : نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق كان يترهب في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد ضرار ، وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وسلم ، فمات هناك طريداً وحيداً ، وهو قول سعيد بن المسيب . وقيل : نزلت في منافقي أهل الكتاب ، كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الحسن والأصم وقيل : هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه ، وهو قول قتادة ، وعكرمة ، وأبي مسلم . فإن قال قائل : فهل يصح أن يقال : إن المذكور في هذه الآية كان نبياً ، ثم صار كافراً ؟ قلنا : هذا بعيد ، لأنه تعالى قال : * ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) * ( الأنعام : 124 ) وذلك يدل على أنه تعالى لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة ، إلا إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد الشرف ، والدرجات العالية ، والمناقب العظيمة ، فمن كان هذا حاله ، فكيف يليق به الكفر ؟ أما قوله تعالى : * ( آتيناه آياتنا فانسلخ منها ) * ففيه قولان : القول الأول : ( آتيناه آياتنا ) يعني : علمناه حجج التوحيد ، وفهمناه أدلته ، حتى صار عالماً بها * ( فانسلخ منها ) * أي خرج من محبة الله إلى معصيته ، ومن رحمة الله إلى سخطه ، ومعنى انسلخ : خرج منها . يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية انسلخ منه . والقول الثاني : ما ذكره أبو مسلم رحمه الله ، فقال قوله : * ( آتيناه آياتنا ) * أي بيناها فلم يقبل