فخر الدين الرازي
55
تفسير الرازي
وعرى منها ، وسواء قولك : انسلخ ، وعرى ، وتباعد ، وهذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة ، وأقام على الكفر ، ونظيره قوله تعالى : * ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً ) * ( النساء : 47 ) وقال في حق فرعون : * ( ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى ) * ( طه : 56 ) وجائز أن يكون هذا الموصوف فرعون ، فإنه تعالى أرسل إليه موسى وهارون ، فأعرض وأبى ، وكان عادياً ضالاً متبعاً للشيطان . واعلم أن حاصل الفرق بين القولين : هو أن هذا الرجل في القول الأول ، كان عالماً بدين الله وتوحيده ، ثم خرج منه ، وعلى القول الثاني لما آتاه الله الدلائل والبينات امتنع من قبولها ، والقول الأول أولى ، لأن قوله انسلخ منها يدل على أنه كان فيها ثم خرج منها ، وأيضاً فقد ثبت بالأخبار أن هذه الآية إنما نزلت في إنسان كان عالماً بدين الله تعالى ، ثم خرج منه إلى الكفر والضلال . أما قوله : * ( فأتبعه الشيطان ) * ففيه وجوه : الأول : أتبعه الشيطان كفار الإنس وغواتهم ، أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له . والثاني : قال عبد الله بن مسلم * ( فأتبعه الشيطان ) * أي أدركه . يقال : أتبعت القوم . أي لحقتهم . قال أبو عبيدة : ويقال : أتبعت القوم ، مثال : أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم . ويقال : ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم . أي حتى أدركتهم . وقوله * ( فكان من الغاوين ) * أي أطاع الشيطان فكان من الظالمين . قال أهل المعاني : المقصود منه بيان أن من أوتي الهدى ، فانسلخ منه إلى الضلال والهوى والعمى ، ومال إلى الدنيا ، حتى تلاعب به الشيطان كان منتهاه إلى البوار والردى ، وخاب في الآخرة والأولى ، فذكر الله قصته ليحذر الناس عن مثل حالته . وقوله : * ( ولو شئنا لرفعناه بها ) * قال أصحابنا معناه : ولو شئنا رفعناه للعمل بها ، فكان يرفع بواسطة تلك الأعمال الصالحة منزلته ، ولفظة * ( لو ) * تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فهذا يدل على أنه تعالى قد لا يريد الإيمان ، وقد يريد الكفر . وقال المعتزلة : لفظ الآية يحتمل وجوهاً أخرى سوى هذا الوجه . فالأول : قال الجبائي معناه : ولو شئنا لرفعناه بأعماله ، بأن نكرمه ، ونزيل التكليف عنه ، قبل ذلك الكفر حتى نسلم له الرفعة ، لكنا رفعناه بزيادة التكليف بمنزلة زائدة ، فأبى أن يستمر على الإيمان . الثاني : لو شئنا لرفعناه ، بأن نحول بينه وبين الكفر ، قهراً وجبراً ، إلا أن ذلك ينافي التكليف . فلا جرم تركناه مع اختياره . والجواب عن الأول : أن حمل الرفعة على الإماتة بعيد ، وعن الثاني : أنه تعالى إذا منعه منه قهراً ، لم يكن ذلك موجباً للثواب والرفعة . ثم قال تعالى : * ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) * قال أصحاب العربية : أصل الإخلاد اللزوم على