فخر الدين الرازي

6

تفسير الرازي

أن هذا العجل إلههم وإله موسى . بقي في لفظ الآية سؤالات : السؤال الأول : لم قيل : * ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً ) * والمتخذ هو السامري وحده ؟ . والجواب : فيه وجهان : الأول : أن الله نسب الفعل إليهم ، لأن رجلاً منهم باشره كما يقال : بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا ، والقائل والفاعل واحد . والثاني : أنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به ، فكأنهم اجتمعوا عليه . السؤال الثاني : لم قال : * ( من حليهم ) * ولم يكن الحلي لهم ، وإنما حصل في أيديهم على سبيل العارية ؟ . والجواب : أنه تعالى لما أهلك قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم ، وصارت ملكاً لهم كسائر أملاكهم بدليل قوله تعالى : * ( كم تركوا من جنات وعيون ) * ( الدخان : 25 ) ، * ( وكنوز ومقام كريم ) * ( الشعراء : 58 ) ، * ( ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوماً آخرين ) * ( الدخان : 27 ، 28 ) . السؤال الثالث : هؤلاء الذين عبدوا العجل هم كل قوم موسى أو بعضهم ؟ . والجواب : أن قوله تعالى : * ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً ) * يفيد العموم . قال الحسن : كلهم عبدوا العجل غير هارون . واحتج عليه بوجهين : الأول : عموم هذه الآية ، والثاني : قول موسى عليه السلام في هذه القصة * ( رب اغفر لي ولأخي ) * قال خص نفسه وأخاه بالدعاء ، وذلك يدل على من كان مغايراً لهما ما كان أهلاً للدعاء ولو بقوا على الإيمان لما كان الأمر كذلك ، وقال آخرون : بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه فإن ذلك الكفر إنما وقع في قوم مخصوصين ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) * ( الأعراف : 181 ) . السؤال الرابع : هل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً على ما قاله بعضهم أو بقي ذهباً كما كان قبل ذلك ؟ . والجواب : الذاهبون إلى الاحتمال الأول احتجوا على صحة قولهم بوجهين : الأول : قوله تعالى : * ( عجلاً جسداً له خوار ) * والجسد اسم للجسم الذي يكون من اللحم والدم ، ومنهم من نازع في ذلك وقال بل الجسد اسم لكل جسم كثيف ، سواء كان من اللحم والدم أو لم يكن كذلك . والحجة الثانية : أنه تعالى أثبت له خواراً ، وذلك إنما يتأتى في الحيوان . وأجيب عنه : بأن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لم يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه ، وقرأ علي رضي الله عنه : ( جؤار ) بالجيم والهمزة ، من جأر إذا صاح فهذا ما قيل في هذا الباب .