فخر الدين الرازي
44
تفسير الرازي
وكذلك الفم إذا تغيرت رائحته . وقوله : * ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) * قال أبو عبيدة جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء ، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، وأما العرض بسكون الراء فما خالف العين ، أعني الدراهم والدنانير وجمعه عروض ، فكان كل عرض عرضاً وليس كل عرض عرضاً ، والمراد بقوله : * ( عرض هذا الأدنى ) * أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها ، وفي قوله : * ( هذا الأدنى ) * تخسيس وتحقير ، و * ( الأدنى ) * إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب ، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها . والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلام . ثم حكى تعالى عنهم أنهم يستحقرون ذلك الذنب ويقولون سيغفر لنا . ثم قال : * ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) * والمراد الأخبار عن إصرارهم على الذنوب . وقال الحسن هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يستمتعون منها . ثم بين تعالى قبح فعلهم فقال : * ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ) * أي التوراة * ( أن لا يقولوا على الله إلا الحق ) * قيل المراد منعهم عن تحريف الكتاب وتغيير الشرائع لأجل أخذ الرشوة ، وقيل : المراد أنهم قالوا سيغفر لنا هذا الذنب مع الإصرار ، وذلك قول باطل . فإن قيل : فهذا القول يدل على أن حكم التوراة هو أن صاحب الكبيرة لا يغفر له . قلنا : أنهم كانوا يقطعون بأن هذه الكبيرة مغفورة ، ونحن لا نقطع بالغفران بل نرجو الغفران ، ونقول : إن بتقدير أن يعذب الله عليها فذلك العذاب منقطع غير دائم . ثم قال تعالى : * ( ودرسوا ما فيه ) * أي فهم ذاكرون لما أخذ عليهم لأنهم قد قرؤه ودرسوه . ثم قال : * ( والدار الآخرة خير للذين يتقون ) * من تلك الرشوة الخبيثة المحقرة * ( أفلا يعقلون ) * . أما قوله تعالى : * ( والذين يمسكون بالكتاب ) * يقال مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به وامتسكت به ، وقرأ أبو بكر عن عاصم * ( يمسكون ) * مخففة والباقون بالتشديد . أما حجة عاصم فقوله تعالى : * ( فإمساك بمعروف ) * ( البقرة : 229 ) وقوله : * ( أمسك عليك زوجك ) * ( الأحزاب : 37 ) وقوله : * ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) * ( المائدة : 4 ) قال الواحدي : والتشديد أقوى ، لأن التشديد للكثرة وههنا أريد به الكثرة ، ولأنه يقال : أمسكته ، وقلما يقال أمسكت به . إذا عرفت هذا فنقول : في قوله : * ( والذين يمسكون بالكتاب ) * قولان : القول الأول : أن يكون مرفوعاً بالابتداء وخبره * ( إنا لا نضيع أجر المصلحين ) * والمعنى : إنا لا نضيع أجرهم وهو كقوله : * ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً ) * ( الكهف : 30 ) وهذا الوجه حسن لأنه لما ذكر وعيد من ترك التمسك بالكتاب أردفه بوعد من تمسك به . والقول الثاني : أن يكون مجروراً عطفاً على قوله : * ( الذين يتقون ) * ويكون قوله : * ( إنا لا نضيع ) *