فخر الدين الرازي
45
تفسير الرازي
زيادة مذكورة لتأكيد ما قبله . فإن قيل : التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة ، ومنها إقامة الصلاة فكيف أفردت بالذكر ؟ قلنا : إظهاراً لعلو مرتبة الصلاة ، وأنها أعظم العبادات بعد الإيمان . * ( وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) * . قال أبو عبيدة : أصل النتق قلع الشيء من موضعه ، والرمي به . يقال : نتق ما في الجراب إذا رمى به وصبه . وامرأة ناتق ومنتاق إذا كثر ولدها لأنها ترمي بأولادها رمياً فمعنى * ( نتقنا الجبل ) * أي قلعناه من أصله وجعلناه فوقهم وقوله : * ( كأنه ظلة ) * قال ابن عباس : كأنه سقيفة والظلة كل ما أظلك من سقف بيت أو سحابة أو جناح حائط ، والجمع ظلل وظلال ، وهذه القصة مذكورة في سورة البقرة * ( وظنوا أنه واقع بهم ) * ( الأعراف : 171 ) قال المفسرون : علموا وأيقنوا . وقال أهل المعاني : قوي في نفوسهم أنه واقع بهم إن خالفوه ، وهذا هو الأظهر في معنى الظن ، ومضى الكلام فيه عند قوله * ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ) * ( البقرة : 46 ) روى أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها ، فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم ، وكان فرسخاً في فرسخ ، وقيل لهم : إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم ، فلما نظروا إلى الجبل خر كل واحد منهم ساجداً على حاجبه الأيسر ، وهو ينظر بعينه اليمنى خوفاً من سقوطه ، فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى ، ويقولون هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة . ثم قال تعالى : * ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) * أي وقلنا خذوا ما آتيناكم أو قائلين : خذوا ما آتيناكم من الكتاب بقوة وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه * ( واذكروا ما فيه ) * من الأوامر والنواهي ، أي واذكروا ما فيه من الثواب والعقاب ، ويجوز أن يراد : خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة ، إن كنتم تطيقونه كقوله : * ( إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا ) * ( الرحمان : 33 ) واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة لعلكم تتقون ما أنتم عليه .