فخر الدين الرازي
33
تفسير الرازي
السؤال الأول : مميز ما عدا العشرة مفرد ، فما وجه مجيئه مجموعاً ، وهلا قيل : اثني عشر سبطاً ؟ والجواب : المراد وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة ، وكل قبيلة أسباط ، فوضع أسباطاً موضع قبيلة . السؤال الثاني : قال : * ( اثنتي عشرة أسباطاً ) * مع أن السبط مذكر لا مؤنث . الجواب قال الفراء : إنما قال ذلك ، لأنه تعالى ذكر بعده * ( أمما ) * فذهب التأنيث إلى الأمم . ثم قال : ولو قال : اثني عشر لأجل أن السبط مذكر كان جائزاً . وقال الزجاج : المعنى * ( وقطعناهم اثنتي عشرة ) * فرقة * ( أسباطاً ) * فقوله : * ( أسباطاً ) * نعت لموصوف محذوف ، وهو الفرقة . وقال أبو علي الفارسي : ليس قوله : * ( أسباطاً ) * تمييزاً ، ولكنه بدل من قوله : * ( اثنتي عشرة ) * . وأما قوله : * ( أمما ) * قال صاحب " الكشاف " : هو بدل من * ( اثنتي عشرة ) * بمعنى : وقطعناهم أمما لأن كل سبط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد ، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى ولا تكاد تأتلف . وقرئ * ( اثنتي عشرة ) * بكسر الشين . النوع الثاني : من شرح أحوال بني إسرائيل قوله تعالى : * ( وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر ) * وهذه القصة أيضاً قد تقدم ذكرها في سورة البقرة . قال الحسن : ما كان إلا حجراً اعترضه وإلا عصاً أخذها . واعلم أنهم كانوا ربما احتاجوا في التيه إلى ماء يشربونه ، فأمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه الحجر . وكانوا يريدونه مع أنفسهم فيأخذوا منه قدر الحاجة ، وقوله : * ( فانبجست ) * قال الواحدي : فانبجس الماء وانبجاسه انفجاره . يقال : بجس الماء يبجس وانبجس وتبجس إذا تفجر ، هذا قول أهل اللغة ، ثم قال : والانبجاس والانفجار سواء ، وعلى هذا التقدير فلا تناقض بين الانبجاس المذكور ههنا وبين الانفجار المذكور في سورة البقرة ، وقال آخرون : الانبجاس خروج الماء بقلة ، والانفجار خروجه بكثرة ، وطريق الجمع : أن الماء ابتدأ بالخروج قليلاً ، ثم صار كثيراً ، وهذا الفرق مروي عن أبي عمرو بن العلاء ، ولما ذكر تعالى أنه كيف كان يسقيهم ، ذكر ثانياً أنه ظلل الغمام عليهم ، وثالثا : أنه أنزل عليهم المن والسلوى ، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال نعمة عظيمة من الله تعالى ، لأنه تعالى سهل عليهم الطعام والشراب على أحسن الوجوه ودفع عنهم مضار الشمس . ثم قال : * ( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) * والمراد أقصر أنفسهم على ذلك المطعوم وترك غيره .