فخر الدين الرازي
24
تفسير الرازي
الصفة الخامسة : قوله : * ( يأمرهم بالمعروف ) * قال الزجاج : يجوز أن يكون قوله : * ( يأمرهم بالمعروف ) * استئنافاً ، ويجوز أن يكون المعنى * ( يجدونه مكتوباً عندهم ) * أنه * ( يأمرهم بالمعروف ) * وأقول مجامع الأمر بالمعروف محصورة في قوله عليه الصلاة والسلام : " التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله " وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته وإما ممكن الوجود لذاته . أما الواجب لذاته فهو الله جل جلاله ، ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته وإظهار الخضوع والخشوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفاً بصفات الكمال مبرأ عن النقائص والآفات منزهاً عن الأضداد والأنداد ، وأما الممكن لذاته فإن لم يكن حيواناً ، فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأن الانتفاع مشروط بالحياة ، ومع هذا فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث إنها مخلوقة لله تعالى ، ومن حيث إن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاٌ قاهراً وبرهاناً باهراً على توحيده وتنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام . ومن حيث إن الله تعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسراراً عجيبة وحكماً خفية فيجب النظر إليها بعين الاحترام ، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان فإنه يجب إظهار الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه ، ويدخل فيه بر الوالدين وصلة الأرحام وبث المعروف فثبت أن قوله عليه الصلاة والسلام : " التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله " كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف . الصفة السادسة : قوله : * ( وينهاهم عن المنكر ) * والمراد منه أضداد الأمور المذكورة وهي عبادة الأوثان ، والقول في صفات الله بغير علم ، والكفر بما أنزل الله على النبيين ، وقطع الرحم ، وعقوق الوالدين . الصفة السابعة : قوله تعالى : * ( ويحل لهم الطيبات ) * من الناس من قال : المراد بالطيبات الأشياء التي حكم الله بحلها وهذا بعيد لوجهين : الأول : أن على هذا التقدير تصير الآية ويحل لهم المحللات وهذا محض التكرير . الثاني : أن على هذا التقدير تخرج الآية عن الفائدة ، لأنا لا ندري أن الأشياء التي أحلها الله ما هي وكم هي ؟ بل الواجب أن يكون المراد من الطيبات الأشياء المستطابة بحسب الطبع وذلك لأن تناولها يفيد اللذة ، والأصل في المنافع الحل فكانت هذه الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا لدليل منفصل . الصفة الثامنة : قوله تعالى : * ( ويحرم عليهم الخبائث ) * قال عطاء عن ابن عباس ، يريد الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة إلى قوله : * ( ذلكم فسق ) * وأقول : كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس كان تناوله سبباً للألم ، والأصل في المضار الحرمة ، فكان مقتضاه أن كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه