فخر الدين الرازي

25

تفسير الرازي

الحرمة إلا لدليل منفصل . وعلى هذا الأصل : فرع الشافعي رحمه الله تحريم بيع الكلب ، لأنه روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الصحيحين أنه قال : " الكلب خبيث ، وخبيث ثمنه " وإذا ثبت أن ثمنه خبيث وجب أن يكون حراماً لقوله تعالى : * ( ويحرم عليهم الخبائث ) * وأيضاً الخمر محرمة لأنها رجس بدليل قوله : * ( إنما الخمر والميسر ) * ( المائدة : 90 ) إلى قوله : * ( رجس ) * والرجس خبيث بدليل إطباق أهل اللغة عليه ، والخبيث حرام لقوله تعالى : * ( ويحرم عليهم الخبائث ) * . الصفة التاسعة : قوله تعالى : * ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحده * ( آصارهم ) * على الجمع ، والباقون * ( إصرهم ) * على الواحد . قال أبو علي الفارسي : الإصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه يدل على ذلك إضافته ، وهو مفرد إلى الكثرة ، كما قال : * ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ) * ( البقرة : 20 ) ومن جمع ، أراد ضروباً من العهود مختلفة ، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما في قوله : * ( وتظنون بالله الظنونا ) * ( الأحزاب : 10 ) . المسألة الثانية : الأصر الثقل الذي يأصر صاحبه ، أي يحبسه من الحراك لثقله ، والمراد منه : أن شريعة موسى عليه السلام كانت شديدة . وقوله : * ( والأغلال التي كانت عليهم ) * المراد منه : الشدائد التي كانت في عباداتهم كقطع أثر البول ، وقتل النفس في التوبة ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وتتبع العروف من اللحم وجعلها الله أغلالاً ، لأن التحريم يمنع من الفعل ، كما أن الغل يمنع عن الفعل ، وقيل : كانت بنو إسرائيل إذا قامت إلى الصلاة لبسوا المسوح ، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعاً لله تعالى ، فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة . واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، لأن كل ما كان ضرراً كان إصراً وغلاً ، وظاهر هذا النص يقتضي عدم المشروعية ، وهذا نظير لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا ضرر ولا ضرار " في الإسلام ، ولقوله عليه الصلاة والسلام : " بعثت بالحنيفية السهلة السمحة " وهو أصل كبير في الشريعة . واعلم أنه لما وصف محمداً عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات التسع . قال بعده : * ( فالذين آمنوا به ) * قال ابن عباس : يعني من اليهود * ( وعزروه ) * يعني وقروه . قال صاحب " الكشاف " : أصل التعزير المنع ومنه التعزير وهو الضرب ، دون الحد ، لأنه منع من معاودة القبيح . ثم قال تعالى : * ( ونصروه ) * أي على عدوه * ( واتبعوا النور الذي أنزل معه ) * وهو القرآن . وقيل الهدى والبيان والرسالة . وقيل الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور . فإن قيل : كيف يمكن حمل النور ههنا على القرآن ؟ والقرآن ما أنزل مع محمد ، وإنما أنزل مع جبريل .