فخر الدين الرازي
223
تفسير الرازي
واعلم أن في رفع قوله : * ( ورسوله ) * وجوهاً : الأول : أنه رفع بالابتداء وخبره مضمر ، والتقدير ورسوله أيضاً بريء والخبر عن الله دل على الخبر عن الرسول . والثاني : أنه عطف على المنوي في بريء فإن التقدير بريء هو ورسوله من المشركين . الثالث : أن قوله : * ( أن الله ) * رفع بالابتداء وقوله : * ( برئ ) * خبره وقوله : * ( ورسوله ) * عطف على المبتدأ الأول . قال صاحب " الكشاف " : وقد قرىء بالنصب عطفاً على اسم أن لأن الواو بمعنى مع ، أي برئ مع رسوله منهم ، وقرئ بالجر على الجوار وقيل على القسم والتقدير أن الله بريء من المشركين وحق رسوله . ثم قال تعالى : * ( فإن تبتم ) * أي عن الشرك * ( فهو خير لكم ) * وذلك ترغيب من الله في التوبة والإقلاع عن الشرك الموجب لكون الله ورسوله موصوفين بالبراءة منه * ( وإن توليتم ) * أي أعرضتم عن التوبة عن الشرك * ( فاعلموا أنكم غير معجزي الله ) * وذلك وعيد عظيم ، لأن هذا الكلام يدل على كونه تعالى قادراً على إنزال أشد العذاب بهم . ثم قال : * ( وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ) * في الآخرة لكي لا يظن أن عذاب الدنيا لما فات وزال ، فقد تخلص عن العذاب ، بل العذاب الشديد معد له يوم القيامة ولفظ البشارة ورد ههنا على سبيل استهزاء كما يقال : تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم . * ( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) * . هذا الاستثناء إلى أي شيء عاد ؟ فيه وجهان : الأول : قال الزجاج : إنه عائد إلى قوله : * ( براءة ) * والتقدير * ( براءة من الله ورسوله ) * إلى المشركين المعاهدين إلا من الذين لم ينقضوا العهد . والثاني : قال صاحب " الكشاف " ، وجهه أن يكون مستثنى من قوله : * ( فسيحوا في الأرض ) * لأن الكلام خطاب للمسلمين ، والتقدير : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقصوكم فأتموا إليهم عهدهم . واعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين : أحدهما : قوله : * ( ثم لم ينقصوكم ) * والثاني : قوله : * ( ولم يظاهروا عليكم أحداً ) * والأقرب أن يكون المراد من الأول أن يقدموا على المحاربة بأنفسهم ، ومن الثاني :