فخر الدين الرازي
172
تفسير الرازي
المسألة الأولى : بين تعالى أن النزاع يوجب أمرين : أحدهما : أنه يوجب حصول الفشل والضعف . والثاني : قوله : * ( وتذهب ريحكم ) * وفيه قولان : الأول : المراد بالريح الدولة ، شبهت الدولة وقت نفاذها وتمشية أمرها بالريح وهبوبها . يقال : هبت رياح فلان ، إذا دانت له الدولة ونفد أمره . الثاني : أنه لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله ، وفي الحديث " نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور " والقول الأول أقوى ، لأنه تعالى جعل تنازعهم مؤثراً في ذهاب الريح ، ومعلوم أن اختلافهم لا يؤثر في هبوب الصبا . قال مجاهد : * ( وتذهب ريحكم ) * أي نصرتكم ، وذهبت ريح أصحاب محمد حين تنازعوا يوم أحد . المسألة الثانية : احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : القول بالقياس يفضي إلى المنازعة ، والمنازعة محرمة ، فهذه الآية توجب أن يكون العمل بالقياس حراماً ، بيان الملازمة المشاهدة ، فإنا نرى أن الدنيا صارت مملوءة من الاختلافات بسبب القياسات ، وبيان أن المنازعة محرمة . قوله : * ( ولا تنازعوا ) * وأيضاً القائلون بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس تمسكوا بهذه الآية . وقالوا : قوله تعالى : * ( وأطيعوا الله ورسوله ) * صريح في وجوب طاعة الله ورسوله في كل ما نص عليه ، ثم أتبعه بأن قال : * ( ولا تنازعوا فتفشلوا ) * ومعلوم أن من تمسك بالقياس المخصص بالنص فقد ترك طاعة الله وطاعة رسوله . وتمسك بالقياس الذي يوجب التنازع والفشل ، وكل ذلك حرام ، ومثبتو القياس أجابوا عن الأول ؛ بأنه ليس كل قياس يوجب المنازعة . ثم قال تعالى : * ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) * والمقصود أن كمال أمر الجهاد مبني على الصبر ، فأمرهم بالصبر . كما قال في آية أخرى : * ( اصبروا وصابروا ورابطوا ) * ( آل عمران : 200 ) وبين أنه تعالى مع الصابرين ، ولا شبهة أن المراد بهذه المعية النصرة والمعونة . ثم قال : * ( ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ) * قال المفسرون : المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير ، فلما وردوا الجحفة بعث الحقاف الكناني كان صديقاً لأبي جهل إليه بهدايا مع ابن له ، فلما أتاه قال : إن أبي ينعمك صباحاً ويقول لك إن شئت أن أمدك بالرجال أمددتك ، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معي من قرابتي فعلت ، فقال أبو جهل : قل لأبيك جزاك الله والرحم خيراً ، إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله من طاقة ، وإن كنا نقاتل الناس ، فوالله إن بنا على الناس لقوة ، والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدراً فنشرب فيها الخمور وتعزف علينا فيها القيان ، فإن بدراً موسم من مواسم العرب ،