فخر الدين الرازي

173

تفسير الرازي

وسوق من أسواقهم حتى تسمع العرب بهذه الواقعة . قال المفسرون : فوردوا بدراً وشربوا كؤوس المنايا مكان الخمر ، وناحت عليهم النوائح مكان القيان . واعلم أنه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء : الأول : البطر قال الزجاج : البطر الطغيان في النعمة . والتحقيق أن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها إلى مرضاته وعرف أنها من الله تعالى فذاك هو الشكر . وأما إن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أهل الزمان فذاك هو البطر . والثاني : قوله : * ( ورئاء الناس ) * والرئاء عبارة عن القصد إلى إظهار الجميل مع أن باطنه يكون قبيحاً ، والفرق بينه وبين النفاق أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر ، والرئاء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية . روي أنه صلى الله عليه وسلم لما رآهم في موقف بدر قال : " اللهم أن قريشاً أقبلت بفخرها وخيلائها لمعارضة دينك ومحاربة رسولك " والثالث : قوله : * ( ويصدون عن سبيل الله ) * فعل مضارع وعطف الفعل على الاسم غير حسن . وذكر الواحدي فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن يكون قوله : * ( ويصدون عن سبيل الله ) * بمنزلة صادين . والثاني : أن يكون قوله : * ( بطراً ورئاء ) * بمنزلة يبطرون ويراؤن ، وأقول : إن شيئاً من هذه الوجوه لا يشفي الغليل ، لأنه تارة يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل ، ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها ، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر ، وعن الثالث بالفعل . وأقول : إن الشيخ عبد القاهر الجرجاني ، ذكر أن الاسم يدل على التمكين والاستمرار والفعل على التجدد والحدوث ، قال ومثاله في الاسم قوله تعالى : * ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) * ( الكهف : 18 ) وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة ، ومثال الفعل قوله تعالى : * ( قل من يرزقكم من السماء والأرض ) * ( يونس : 31 ) وذلك يدل على أنه تعالى يوصل الرزق إليهم ساعة فساعة ، هذا ما ذكره الشيخ عبد القاهر . إذا عرفت هذا فنقول : إن أبا جهل ورهطه وشيعته كانوا مجبولين على البطر والمفاخرة والعجب ، وأما صدهم عن سبيل الله فإنما حصل في الزمان الذي ادعى محمد عليه الصلاة والسلام النبوة ولهذا السبب ذكر البطر والرئاء بصيغة الاسم ، وذكر الصد عن سبيل الله بصيغة الفعل والله أعلم . وحاصل الكلام : أنه تعالى أمرهم عند لقاء العدو بالثبات والاشتغال بذكر الله ، ومنعهم من أن يكون الحامل لهم على ذلك الثبات ، الطر والرئاء بل أوجب عليهم أن يكون الحامل لهم عليه طلب عبودية الله . واعلم أن حاصل القرآن من أوله إلى آخره دعوة الخلق من الاشتغال بالخلق ، وأمرهم بالعناء في طريق عبودية الحق ، والمعصية مع الانكسار أقرب إلى الاخلاص من الطاعة مع الافتخار ، ثم