فخر الدين الرازي

168

تفسير الرازي

مكة على القتال ، لخالف بعضكم بعضاً لقلتكم وكثرتهم * ( ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ) * أي أنه يثبتكم الله ، وينصركم ، ليقضي أمراً كان مفعولاً ، واجباً أن يخرج إلى الفعل وقوله : * ( ليهلك من هلك ) * بدل من قوله : * ( ليقضي ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : لا شك أن عسكر الرسول عليه السلام في أول الأمر كانوا في غاية الخوف والضعف بسبب القلة وعدم الأهبة ، ونزلوا بعيدين عن الماء ، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضاً رملية تغوص فيها أرجلهم . وأما الكفار ، فكانوا في غاية القوة بسبب الكثرة في العدد ، وبسبب حصول الآلات والأدوات ، لأنهم كانوا قريبين من الماء ، ولأن الأرض التي نزلوا فيها كانت صالحة للمشي ، ولأن العير كانوا خلف ظهورهم ، وكانوا يتوقعون مجيء المدد من العير إليهم ساعة فساعة ، ثم إنه تعالى قلب القصة وعكس القضية ، وجعل الغلبة للمسلمين ، والدمار على الكافرين فصار ذلك من أعظم المعجزات وأقوى البينات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر . فقوله : * ( ليهلك من هلك عن بينة ) * إشارة إلى هذا المعنى ، وهو أن الذين هلكوا إنما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة ، والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة ، والمراد من البينة هذه المعجزة . المسألة الثانية : اللام في قوله : * ( ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ) * وفي قوله : * ( ليهلك من هلك عن بينة ) * لام الغرض ، وظاهره يقتضي تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض والمصالح ، إلا أنا نصرف هذا الكلام عن ظاهره بالدلائل العقلية المشهورة . المسألة الثالثة : قوله : * ( ليهلك من هلك عن بينة ) * ظاهره يقتضي أنه تعالى أراد من الكل العلم والمعرفة والخير والصلاح ، وذلك يقدح في قول أصحابنا : أنه تعالى أراد الكفر من الكافر ، لكنا نترك هذا الظاهر بالدلائل المعلومة . المسألة الرابعة : قوله : * ( ويحيى من حي عن بينة ) * قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم والبزي عن ابن كثير ونصير عن الكسائي * ( من حيى ) * بإظهار الياءين وأبو عمرو ، وابن كثير برواية القواس ، وابن عامر وحفص عن عاصم والكسائي بياء مشددة على الإدغام . فأما الإدغام فللزوم الحركة في الثاني ، فجرى مجرى رد لأنه في المصحف مكتوب بياء واحدة . وأما الإظهار فلامتناع الإدغام في مضارعه من " يحيى " فجرى على مشاكلته ، وأجاز بعض الكوفيين الإدغام في * ( يحيى ) * . ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : * ( وإن الله لسميع عليم ) * أي يسمع دعاءكم ويعلم حاجتكم وضعفكم ، فأصلح مهمكم .