فخر الدين الرازي

169

تفسير الرازي

* ( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِى الاَْمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) * . اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التي أنعم الله بها على أهل بدر ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : * ( إذ يريكهم الله ) * منصوب بإضمار أذكر ، أو هو بدل ثان من يوم الفرقان أو متعلق بقوله : * ( لسميع عليم ) * أي يعلم المصالح إذ يقللهم في أعينكم . المسألة الثانية : قال مجاهد : أرى الله النبي عليه السلام كفار قريش في منامه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه . فقالوا : رؤيا النبي حق ، القوم قليل ، فصار ذلك سبباً لجراءتهم وقوة قلوبهم . فإن قيل : رؤية الكثير قليلاً غلط ، فكيف يجوز من الله تعالى أن يفعل ذلك ؟ قلنا : مذهبنا أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأيضاً لعله تعالى أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون . وعن الحسن : هذه الأراءة كانت في اليقظة . قال : والمراد من المنام العين التي هو موضع النوم . ثم قال تعالى : * ( ولو أراكهم كثيراً ) * لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لفشلوا ولتنازعوا ، ومعنى التنازع في الأمر ، الاختلاف الذي يحاول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه ، والمعنى : لاضطرب أمركم واختلفت كلمتكم * ( ولكن الله سلم ) * أي سلمكم من المخالفة فيما بينكم . وقيل : سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم ، وقيل سلمهم من الهزيمة يوم بدر والأظهر أن المراد ، ولكن الله سلمكم من التنازع * ( إنه عليم بذات الصدور ) * يعلم ما يحصل فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع .