أبي الفرج الأصفهاني

329

الأغاني

يا قبر بين بيوت آل محرّق جادت عليك رواعد وبروق أمّا البكاء فقلّ عنك كثيرة ولئن بكيت فللبكاء خليق [ 1 ] ثم ركب المنذر ، حتى نظر إليهما ، فأمر ببناء الغريّين [ 2 ] عليهما ، فبنيا عليهما ، وجعل لنفسه يومين في السنة يجلس فيهما عند الغريين ، يسمّي أحدهما يوم نعيم ، / والآخر يوم بؤس ، فأول من يطلع عليه يوم نعيمه يعطيه مائة من الإبل شوما [ 3 ] أي : سودا ، وأول من يطلع عليه يوم بؤسه يعطيه رأس ظربان [ 4 ] أسود ، ثم يأمر به ، فيذبح ويغرّى بدمه الغريّان ، فلبث بذلك برهة من دهره . يقتل في يوم بؤس المنذر ثم إن عبيد بن الأبرص كان أول من أشرف عليه في يوم بؤسه ، فقال : هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد ؟ فقال : أتتك بحائن [ 5 ] رجلاه ، فأرسلها مثلا ، فقال له المنذر : أو أجل بلغ إناه [ 6 ] ، فقال له [ 7 ] المنذر : أنشدني ، فقد كان شعرك يعجبني ، فقال عبيد : حال الجريض [ 8 ] دون القريض ، / وبلغ الحزام الطَّبيين [ 9 ] . فأرسلها مثلا ، فقال له النعمان : أسمعني ، فقال : المنايا على الحوايا [ 10 ] ، فأرسلها مثلا ، فقال له آخر : ما أشدّ جزعك من الموت ، فقال : لا يرحل رحلك من ليس معك [ 11 ] فأرسلها مثلا ، فقال له المنذر : قد أمللتني ، فأرحني قبل أن آمر بك ، فقال عبيد : من عزّ بزّ [ 12 ] فأرسلها مثلا ، فقال المنذر : أنشدني قولك : أقفر من أهله ملحوب فقال عبيد : صوت أقفر من أهله عبيد فليس يبدي ولا يعيد [ 13 ]

--> [ 1 ] فللبكاء خليق : جدير بك ، وفي هد ، هج و « المختار » : « فبالبكاء » أي فأنت بالبكاء خليق . [ 2 ] الغريان : بناءان أقامهما المنذر على نديميه اللذين قتلهما ، ونرجح أن هذه التسمية إنما جاءت من طلائهما بدماء من يقتل في يوم بؤس المنذر ، والتغرية في اللغة بمعنى التطلية . [ 3 ] شوما : لعله جمع أشيم أو شيماء بمعنى في جسمها شامة ، وليس معنى ذلك السواد ، كما شرحه المؤلف ، وفي هد : هج « سهما » بدل « شوما » وليس من معانيها السواد أيضا . [ 4 ] الظربان : حيوان دون السنور ، أصلم الأذنين ، طويل الخطم ، قصير القوائم كثير الفسو ، منتن الرائحة . [ 5 ] الحائن : الهالك . [ 6 ] إناه : وقته . [ 7 ] يقتضي السياق أن يقول : « ثم قال له المنذر » بدل « فقال له المنذر » التي تكررت مرتين متتاليتين . [ 8 ] الجريض : الغصة ، أو اختلاف الفكين عند الموت . [ 9 ] الطبيان : تثنية طبي ، وهو حلمة الضرع ، أو الضرع كله ، وهو مثل يضرب للأمر تجاوز حده . [ 10 ] الحوايا : ما احتوى عليه بطن الإنسان أو الحيوان ، والجملة مثل يضرب لمن يسعى إلى هلاكه بنفسه . [ 11 ] معنى الجملة أنه لا يقاسي مشقة رحلتك من لم يعانها معك . [ 12 ] بز : غلب ، ومعنى الجملة : من غلب أخذ السلب . [ 13 ] في هد ، هج بدل المصراع الثاني : « فاليوم لا يبدي ولا يعيد » والرواية التي معنا أصوب ، لأن الأبيات من مخلع البسيط ، أما المصراع الوارد في هد ، هج ، فمن الرجز .