أبي الفرج الأصفهاني
330
الأغاني
عنت له عنّة نكود وحان منها له ورود فقال له المنذر : يا عبيد ، ويحك ، أنشدني قبل أن أذبحك ، فقال عبيد : واللَّه إن متّ لما ضرّني وإن أعش ما عشت في واحده [ 1 ] فقال المنذر : إنه لا بد من الموت ، ولو أن النعمان عرض لي في يوم بؤس لذبحته ، فاختر إن شئت الأكحل [ 2 ] ، وإن شئت الأبجل [ 3 ] ، وإن شئت الوريد [ 4 ] ، فقال عبيد : ثلاث خصال كسحابات عاد واردها شرّ ورّاد ، وحاديها شرّ حاد ، ومعادها شرّ معاد ، ولا خير فيه لمرتاد ، وإن كنت لا محالة قاتلي فاسقني الخمر ، حتى إذا ماتت مفاصلي ، وذهلت لها ذواهلي فشأنك وما تريد ، فأمر المنذر بحاجته من الخمر ، حتى إذا أخذت منه ، وطابت نفسه ، دعا به المنذر ، ليقتله ، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول : وخيّرني ذو البؤس في يوم بؤسه خصالا أرى في كلها الموت قد برق كما خيّرت عاد من الدهر مرّة سحائب ما فيها لذي خيرة أنق [ 5 ] سحائب ريح لم توكَّل ببلدة فتتركها إلا كما ليلة الطَّلق [ 6 ] / فأمر به المنذر ، ففصد ، فلما مات غرّي بدمه الغريّان . طائي يفد على المنذر في يوم بؤسه فلم يزل كذلك حتى مرّ به [ 7 ] رجل من طيء ، يقال له : حنظلة بن أبي عفراء ، أو ابن أبي عفر ، فقال له : أبيت اللعن ، واللَّه ما أتيتك زائرا ، ولأهلي من خيرك مائرا [ 8 ] فلا تكن ميرتهم قتلي ، فقال : لا بد من ذلك فاسأل حاجة أقضينّها لك ، فقال : تؤجّلني سنة أرجع فيها إلى أهلي ، وأحكم من أمرهم ما أريد ، ثم أصير إليك ، فأنفذ فيّ حكمك ، فقال : ومن يكفل بك حتى تعود ؟ فنظر في وجوه جلسائه ، فعرف منهم شريك بن عمرو : أبا الحوفزان بن شريك ، فأنشد يقول : يا شريك يا بن عمرو ما من الموت محاله [ 9 ] يا شريك يا بن عمرو يا أخا من لا أخاله [ 10 ]
--> [ 1 ] ليس لكلمة « واحدة » هنا معنى ، ونرجح أنها « واجدة » - بالجيم - من الجدة واليسار ، أي إن عشت فلن أعيش في رغد من العيش . [ 2 ] الأكحل : وريد في وسط الذراع . [ 3 ] الأبجل : عرق في الرجل ، أو في اليد بإزاء الأكحل . [ 4 ] الوريد : عرق في العنق . [ 5 ] الأنق : الحسن الرائع . [ 6 ] الطلق : البعد ، من طلق - بكسر اللام - بمعنى بعد . [ 7 ] ضمير « به » يعود على المنذر ، لا على عبيد . [ 8 ] مائرا : طالبا الميرة : القوت . [ 9 ] تنوين « شريك » للضرورة كقول الشاعر : « سلام اللَّه يا مطر عليها » . [ 10 ] كان القياس : « لا أخ لك » بدون ألف ، ولكنهم قالوا في مثل هذا وفي مثل قولهم : « لا أبا لك » أنهم افترضوا حذف اللام .