فخر الدين الرازي

9

تفسير الرازي

والتفضل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة ثم إنهم على تقريع مذاهبهم اختلفوا . فقال بعضهم : هذه العشرة تفضل والثواب غيرها وهو قول الجبائي قال : لأنه لو كان الواحد ثواباً وكانت التسعة تفضلاً لزم أن يكون الثواب دون التفضل ، وذلك لا يجوز ، لأنه لو جاز أن يكون التفضل مساوياً للثواب في الكثرة والشرف ، لم يبق في التكليف فائدة أصلاً فيصير عبثاً وقبيحاً ، ولما بطل ذلك علمنا أن الثواب يجب أن يكون أعظم في القدر وفي التعظيم من التفضل . وقال آخرون : لا يبعد أن يكون الواحد من هذه التسعة ثواباً ، وتكون التسعة الباقية تفضلاً ، إلا أن ذلك الواحد يكون أوفر وأعظم وأعلى شأناً من التسعة الباقية . المسألة الرابعة : قال بعضهم : التقدير بالعشرة ليس المراد منه التحديد ، بل أراد الإضعاف مطلقاً ، كقول القائل لئن أسديت إلي معروفاً لأكافئنك بعشر أمثاله ، وفي الوعيد يقال : لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشراً ، ولا يريد التحديد فكذا ههنا . والدليل على أنه لا يمكن حمله على التحديد قوله تعالى : * ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء ) * ( البقرة : 261 ) . ثم قال تعالى : * ( ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ) * أي الأجزاء يساويها ويوازيها . روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى قال الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو عفو فالويل لمن غلب آحاده أعشاره " وقال صلى الله عليه وسلم : " يقول الله إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها وإن عملها فسيئة واحدة " وقوله : * ( وهم لا يظلمون ) * أي لا ينقص من ثواب طاعتهم ، ولا يزاد على عقاب سيئاتهم في الآية سؤالان : السؤال الأول : كفر ساعة كيف يوجب عقاب الأبد على نهاية التغليظ . جوابه : أنه كان الكافر على عزم أنه لو عاش أبداً لبقي على ذلك الاعتقاد أبداً ، فلما كان ذلك العزم مؤبداً عوقب بعقاب الأبد خلاف المسلم المذنب ، فإنه يكون على عزم الإقلاع عن ذلك الذنب ، فلا جرم كانت عقوبته منقطعة . السؤال الثاني : إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلاً عن صيام ستين يوماً ، وهو في كفارة الظهار ، وتارة جعل بدلاً عن صيام أيام قلائل ، وذلك يدل على أن المساواة غير معتبرة . جوابه : إن المساواة إنما تحصل بوضع الشرع وحكمه . السؤال الثالث : إذا أحدث في رأس إنسان موضحتين : وجب فيه أرشان ، فإن رفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة ، فههنا ازدادت الجناية . وقل العقاب ، فالمساواة غير معتبرة .