فخر الدين الرازي
15
تفسير الرازي
موجود في قولنا أنا الله أصلح ، وإن كانت العبرة بحرف الميم ، فكما أنه موجود في العلم فهو أيضاً موجود في الملك والامتحان ، فكان حمل قولنا : * ( المص ) * على ذلك المعنى بعينه محض التحكم ، وأيضاً فإن جاء تفسير الألفاظ بناء على ما فيها من الحروف من غير أن تكون تلك اللفظة موضوعة في اللغة لذلك المعنى ، انفتحت طريقة الباطنية في تفسير سائر ألفاظ القرآن بما يشاكل هذا الطريق . وأما قول بعضهم : إنه من أسماء الله تعالى فأبعد ، لأنه ليس جعله إسماً لله تعالى ، أولى من جعله اسماً لبعض رسله من الملائكة ، أو الأنبياء ، لأن الاسم إنما يصير اسماً للمسمى بواسطة الوضع والاصطلاح ، وذلك مفقود ههنا ، بل الحق أن قوله : * ( المص ) * اسم لقب لهذه السورة ، وأسماء الألقاب لا تفيد فائدة في المسميات ، بل هي قائمة مقام الإشارات ، ولله تعالى أن يسمي هذه السورة بقوله : * ( المص ) * كما أن الواحد منا إذا حدث له ولد فإنه يسميه بمحمد . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : * ( المص ) * مبتدأ ، وقوله : * ( كتاب ) * خبره ، وقوله : * ( أنزل إليك ) * صفة لذلك الخبر . أي السورة المسماة بقولنا : * ( المص كتاب أنزل إليك ) * . فإن قيل : الدليل الذي دل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هو أن الله تعالى خصه بإنزال هذا القرآن عليه ، فما لم نعرف هذا المعنى لا يمكننا أن نعرف نبوته ، وما لم نعرف نبوته ، لا يمكننا أن نحتج بقوله . فلو أثبتنا كون هذه السورة نازلة عليه من عند الله بقوله : لزم الدور . قلنا : نحن بمحض العقل نعلم أن هذه السورة كتاب أنزل إليه من عند الله . والدليل عليه أنه عليه الصلاة والسلام ما تلمذ لأستاذ ، ولا تعلم من معلم ، ولا طالع كتاباً ولم يخالط العلماء والشعراء وأهل الأخبار ، وانقضى من عمره أربعون سنة ، ولم يتفق له شيء من هذه الأحوال ، ثم بعد انقضاء الأربعين ظهر عليه هذا الكتاب العزيز المشتمل على علوم الأولين والآخرين ، وصريح العقل يشهد بأن هذا لا يكون إلا بطريق الوحي من عند الله تعالى . فثبت بهذا الدليل العقلي أن * ( المص ) * كتاب أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه وإلهه . المسألة الثانية : احتج القائلون بخلق القرآن بقوله : * ( كتاب أنزل إليك ) * قالوا إنه تعالى وصفه بكونه منزلاً ، والإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال ، وذلك لا يليق بالقديم ، فدل على أنه محدث . وجوابه : أن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو هذه الحروف ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة . والله أعلم . فإن قيل : فهب أن المراد منه الحروف ، إلا أن الحروف أعراض غير باقية بدليل أنها متوالية ،