فخر الدين الرازي
16
تفسير الرازي
وكونها متوالية يشعر بعدم بقائها ، وإذا كان كذلك فالعرض الذي لا يبقى زمانين كيف يعقل وصفه بالنزول . والجواب : أنه تعالى أحدث هذه الرقوم والنقوش في اللوح المحفوظ ، ثم إن الملك يطالع تلك النقوش ، وينزل من السماء إلى الأرض ، ويعلم محمداً تلك الحروف والكلمات ، فكان المراد بكون تلك الحروف نازلة ، هو أن مبلغها نزل من السماء إلى الأرض بها . المسألة الثالثة : الذين أثبتوا لله مكاناً تمسكوا بهذه الآية فقالوا : إن كلمة " من " لابتداء الغاية ، وكلمة " إلى " لانتهاء الغاية فقوله : * ( أنزل إليك ) * يقتضي حصول مسافة مبدؤها هو الله تعالى وغايتها محمد ، وذلك يدل على أنه تعالى مختص بجهة فوق ، لأن النزول هو الانتقال من فوق إلى أسفل . وجوابه : لما ثبت بالدلائل القاهرة أن المكان والجهة على الله تعالى محال وجب حمله على التأويل الذي ذكرناه ، وهو أن الملك انتقل به من العلو إلى أسفل . ثم قال تعالى : * ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) * وفي تفسير الحرج قولان : الأول : الحرج الضيق ، والمعنى : لا يضيق صدرك بسبب أن يكذبوك في التبليغ . والثاني : * ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) * أي شك منه ، كقوله تعالى : * ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ) * ( يونس : 94 ) وسمي الشك حرجاً ، لأن الشاك ضيق الصدر حرج الصدر ، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسح القلب . ثم قال تعالى : * ( لتنذر به ) * هذه " اللام " بماذا تتعلق ؟ فيه أقوال : الأول : قال الفراء : إنه متعلق بقوله : * ( أنزل إليك ) * على التقديم والتأخير ، والتقدير : كتاب أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه . فإن قيل : فما فائدة هذا التقديم والتأخير ؟ قلنا : لأن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر ، فلهذا السبب أمره الله تعالى بإزالة الحرج عن الصدر ، ثم أمره بعد ذلك بالإنذار والتبليغ . الثاني : قال ابن الأنباري : اللام ههنا بمعنى : كي . والتقدير : فلا يكن في صدرك شك كي تنذر غيرك . الثالث : قال صاحب " النظم " : اللام ههنا : بمعنى : أن . والتقدير : لا يضق صدرك ولا يضعف عن أن تنذر به ، والعرب تضع هذه اللام في موضع " أن " قال تعالى : * ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ) * ( التوبة : 32 ) وفي موضع أخر * ( يريدون ليطفئوا ) * ( الصف : 8 ) وهما بمعنى واحد . والرابع : تقدير الكلام : أن هذا الكتاب أنزله الله عليك ، وإذا علمت أنه تنزيل الله تعالى ، فاعلم أن عناية الله معك ، وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج ، لأن من كان الله حافظاً له وناصراً ، لم يخف أحداً ، وإذا زال الخوف