فخر الدين الرازي
65
تفسير الرازي
وأقول عندي فيه وجه من وجوه الترتيب ، وذلك لأنه تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الإكرام والفضل . فمن المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق : الملك والسلطان والقدرة ، والله تعالى قد أعطى داود وسليمان من هذا الباب نصيباً عظيماً . والمرتبة الثانية : البلاء الشديد والمحنة العظيمة ، وقد خص الله أيوب بهذه المرتبة والخاصية . والمرتبة الثالثة : من كان مستجمعاً لهاتين الحالتين ، وهو يوسف عليه السلام ، فإنه نال البلاء الشديد الكثير في أول الأمر ، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر . والمرتبة الرابعة : من فضائل الأنبياء عليهم السلام وخواصهم قوة المعجزات وكثرة البراهين والمهابة العظيمة والصولة الشديدة وتخصيص الله تعالى إياهم بالتقريب العظيم والتكريم التام ، وذلك كان في حق موسى وهارون . والمرتبة الخامسة : الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا ، وترك مخالطة الخلق ، وذلك كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ، ولهذا السبب وصفهم الله بأنهم من الصالحين . والمرتبة السادسة : الأنبياء الذين لم يبق لهم فيما بين الخلق أتباع وأشياع ، وهم إسماعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوط . فإذا اعتبرنا هذا الوجه الذي راعيناه ظهر أن الترتيب حاصل في ذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام بحسب هذا الوجه الذي شرحناه . المسألة الثانية : قال تعالى : * ( ووهبنا له إسحق ويعقوب كلاًّ هدينا ) * اختلفوا في أنه تعالى إلى ماذا هداهم ؟ وكذا الكلام في قوله : * ( ونوحاً هدينا من قبل ) * وكذا قوله في آخر الآية : * ( ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ) * . قال بعض المحققين : المراد من هذه الهداية الثواب العظيم ، وهي الهداية إلى طريق الجنة ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر هذه الهداية قال بعدها : * ( وكذلك نجزي المحسنين ) * وذلك يدل على أن تلك الهداية كانت جزاء المحسنين على إحسانهم وجزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب ، فثبت أن المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الجنة . فأما الإرشاد إلى الدين وتحصيل المعرفة في قلبه ، فإنه لا يكون جزاء له على عمله ، وأيضاً لا يبعد أن يقال : المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الدين والمعرفة ، وإنما ذلك كان جزاء على الإحسان الصادر منهم ، لأنهم اجتهدوا في طلب الحق ، فالله تعالى جازاهم على حسن طلبهم بإيصالهم إلى الحق ، كما قال : * ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سلبنا ) * ( العنكبوت : 69 ) . والقول الثالث : أن المراد من هذه الهداية : الإرشاد إلى النبوة والرسالة ، لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك .