فخر الدين الرازي
66
تفسير الرازي
فإن قالوا : لو كان الأمر كذلك لكان قوله : * ( وكذلك نجزي المحسنين ) * يقتضي أن تكون الرسالة جزاء على عمل ، وذلك عندكم باطل . قلنا : يحمل قوله : * ( وكذلك نجزي المحسنين ) * على الجزاء الذي هو الثواب والكرامة ، فيزول الإشكال . والله أعلم . المسألة الثالثة : احتج القائلون بأن الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة بقوله تعالى بعد ذكر هؤلاء عليهم السلام : * ( وكلاًّ فضلنا على العالمين ) * وذلك لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى ، فيدخل في لفظ العالم الملائكة ، فقوله تعالى : * ( وكلاًّ فضلنا على العالمين ) * يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين . وذلك يقتضي كونهم أفضل من الملائكة ، ومن الأحكام المستنبطة من هذه الآية : أن الأنبياء عليهم السلام يجب أن يكونوا أفضل من كل الأولياء ، لأن عموم قوله تعالى : * ( وكلاًّ فضلنا على العالمين ) * يوجب ذلك . قال بعضهم : * ( وكلاًّ فضلنا على العالمين ) * معناه فضلناه على عالمي زمانهم . قال القاضي : ويمكن أن يقال المراد : وكلاًّ من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين . ثم الكلام بعد ذلك في أن أي الأنبياء أفضل من بعض ، كلام واقع في نوع آخر لا تعلق به بالأول والله أعلم . المسألة الرابعة : قرأ حمزة والكسائي * ( والليسع ) * بتشديد اللام وسكون الياء ، والباقون * ( واليسع ) * بلام واحدة . قال الزجاج : يقال فيه الليسع واليسع بتشديد اللام وتخفيفها . المسألة الخامسة : الآية تدل على أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن الله تعالى جعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أنه لا ينتسب إلى إبراهيم إلا بالأم ، فكذلك الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن انتسبا إلى رسول الله بالأم وجب كونهما من ذريته ، ويقال : إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف . المسألة السادسة : قوله تعالى : * ( ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ) * يفيد أحكاماً كثيرة : الأول : أنه تعالى ذكر الآباء والذريات والأخوان ، فالآباء هم الأصول ، والذريات هم الفروع ، والأخوان فروع الأصول ، وذلك يدل على أنه تعالى خص كل من تعلق بهؤلاء الأنبياء بنوع من الشرف والكرامة ، والثاني : أنه تعالى قال : * ( ومن آبائهم ) * وكلمة " من " للتبعيض . فإن قلنا : المراد من تلك الهداية الهداية إلى الثواب والجنة والهداية إلى الإيمان والمعرفة ، فهذه الكلمة تدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان غير مؤمن ولا واصل إلى الجنة . أما لو قلنا : المراد بهذه الهداية النبوة لم يفد ذلك . الثالث : أنا إذا فسرنا هذه الهداية بالنبوة كان