فخر الدين الرازي
40
تفسير الرازي
التنفير والبعد عن القبول . ولهذا المعنى قال تعالى لمحمد عليه السلام : * ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) * ( النحل : 125 ) فكيف يليق بإبراهيم عليه السلام مثل هذه الخشونة مع أبيه في الدعوة ؟ الرابع : أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام الحلم ، فقال : * ( إن إبراهيم لحليم أواه ) * وكيف يليق بالرجل الحليم مثل هذا الجفاء مع الآب ؟ فثبت بهذه الوجوه أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام بل كان عماً له ، فأما والده فهو تارح والعم قد يسمى بالأب على ما ذكرنا أن أولاد يعقوب سموا إسماعيل بكونه أباً ليعقوب مع أنه كان عماً له . وقال عليه السلام : " ردوا علي أبي " يعني العم العباس وأيضاً يحتمل أن آزر كان والد أم إبراهيم عليه السلام وهذا قد يقال له الأب . والدليل عليه قوله تعالى : * ( ومن ذريته داود وسليمان ) * ( الأنعام : 84 ) إلى قوله : * ( عيسى ) * فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم عليه السلام كان جداً لعيسى من قبل الأم . وأما أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول الله كان كافراً وذكروا أن نص الكتاب في هذه الآية تدل على أن آزر كان كافراً وكان والد إبراهيم عليه السلام . وأيضاً قوله تعالى : * ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ) * إلى قوله : * ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) * ( التوبة : 114 ) وذلك يدل على قولنا ، وأما قوله * ( وتقلبك في الساجدين ) * قلنا : قد بينا أن هذه الآية تحتمل سائر الوجوه قوله تحمل هذه الآية على الكل ، قلنا هذا محال لأن حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز ، وأيضاً حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معاً لا يجوز ، وأما قوله عليه السلام : " لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات " فذلك محمول على أنه ما وقع في نسبه ما كان سفاحاً ، أما قوله التغليظ مع الأب لا يليق بإبراهيم عليه السلام . قلنا : لعله أصر على كفره فلأجل الإصرار استحق ذلك التغليط . والله أعلم . المسألة الخامسة : قرىء * ( آزر ) * بالنصب وهو عطف بيان لقوله : * ( لأبيه ) * وبالضم على النداء ، وسألني واحد فقال : قرىء * ( آزر ) * بهاتين القراءتين ، وأما قوله : * ( وإذ قال موسى لأخيه هارون ) * قرىء * ( هارون ) * بالنصب وما قرىء البتة بالضم فما الفرق ؟ قلت القراءة بالضم محمولة على النداء والنداء بالاسم استخفاف بالمنادى . وذلك لائق بقصة إبراهيم عليه السلام لأنه كان مصراً على كفره فحسن أن يخاطب بالغلظة زجراً له عن ذلك القبيح ، وأما قصة موسى عليه السلام فقد كان موسى عليه السلام يستخلف هارون على قومه فما كان الاستخفاف لائقاً بذلك الموضع ، فلا جرم ما كانت القراءة بالضم جائزة . المسألة السادسة : اختلف الناس في تفسير لفظ " الإله " والأصح أنه هو المعبود ، وهذه الآية تدل على هذا القول لأنهم ما أثبتوا للأصنام إلا كونها معبودة ، ولأجل هذا قال إبراهيم لأبيه : * ( أتتخذ أصناماً آلهة ) * وذلك يدل على أن تفسير لفظ " الإله " هو المعبود .