فخر الدين الرازي

41

تفسير الرازي

المسألة السابعة : اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام في هذه الآية على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من وجهين : الأول : أن قوله : * ( أتتخذ أصناماً آلهة ) * يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة ؛ إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي الذي فهم من قوله تعالى : * ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) * والثاني : أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافياً ، فلما لم يكن الواحد كافياً دل ذلك على أنها وإن كثرت فلا نفع فيها البتة . المسألة الثامنة : احتج بعضهم بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى ووجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع . قال لأن إبراهيم عليه السلام حكم عليهم بالضلال ، ولولا الوجوب العقلي لما حكم عليهم بالضلال . لأن ذلك المذهب كان متقدماً على دعوة إبراهيم . ولقائل أن يقول : إنه كان ضلالاً بحكم شرع الأنبياء الذين كانوا متقدمين على إبراهيم عليه السلام . قوله تعالى * ( وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاواَتِ واَلاَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) * . المسألة الأولى : " الكاف " في كذلك للتشبيه ، وذلك إشارة إلى غائب جرى ذكره والمذكور ههنا فيما قبل هو أنه عليه السلام استقبح عبادة الأصنام ، وهو قوله : * ( إني أراك وقومك في ضلال مبين ) * والمعنى : ومثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام نريه ملكوت السماوات والأرض . وههنا دقيقة عقلية ، وهي أن نور جلال الله تعالى لائح غير منقطع ولا زائل البتة ، والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب ، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى ، فإذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل هذا التجلي فقول إبراهيم عليه السلام : * ( أتتخذ أصناماً آلهة ) * إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير الله تعالى ، لأن كل ما سوى الله فهو حجاب عن الله تعالى ، فلما زال ذلك الحجاب لا جرم تجلى له ملكوت السماوات بالتمام ، فقوله : * ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات ) * معناه : وبعد زوال الاشتغال بغير الله حصل له نور تجلى جلال الله تعالى ، فكان قوله : * ( وكذلك ) * منشأ لهذه الفائدة الشريفة الروحانية . المسألة الثانية : لقائل أن يقول هذه الإراءة قد حصلت فيما تقدم من الزمان ، فكان الأولى