فخر الدين الرازي

226

تفسير الرازي

أنا عليه من الكفر ، إنما حصل بمشيئة الله تعالى ، فلم يمنعني منه ، فهذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين والمتأخرين في تكذيب الأنبياء ، وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم ، فإذا حملنا الآية على هذا الوجه صارت القراءة بالتشديد مؤكدة للقراءة بالتخفيف ويصير مجموع القراءتين دالاً على إبطال قول المجبرة . الوجه الثالث : في دلالة الآية على قولنا قوله تعالى : * ( حتى ذاقوا بأسنا ) * وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله تعالى في ذهابهم إلى هذا المذهب . المذهب الرابع : قوله تعالى : * ( قل هل عندكم من علم فتخرجون لنا ) * ولا شك أنه استفهام على سبيل الإنكار ، وذلك يدل على أن القائلين بهذا القول ليس لهم به علم ولا حجة ، وهذا يدل على فساد هذا المذهب ، لأن كل ما كان حقاً كان القول به علماً . الوجه الخامس : قوله تعالى : * ( إن يتبعون إلا الظن ) * مع أنه تعالى قال في سائر الآيات : * ( إن الظن لا يغني من الحق شيئاً ) * . والوجه السادس : قوله تعالى : * ( وإن هم إلا يخرصون ) * والخرص أقبح أنواع الكذب ، وأيضاً قال تعالى : * ( قتل الخراصون ) * . والوجه السابع : قوله تعالى : * ( قل فلله الحجة البالغة ) * وتقريره : أنهم احتجوا في دفع دعوة الأنبياء والرسل على أنفسهم بأن قالوا : كل ما حصل فهو بمشيئة الله تعالى ، وإذا شاء الله منا ذلك ، فكيف يمكننا تركه ؟ وإذا كنا عاجزين عن تركه ، فكيف يأمرنا بتركه ؟ وهل في وسعنا وطاقتنا أن نأتي بفعل على خلاف مشيئة الله تعالى ؟ فهذا هو حجة الكفار على الأنبياء ، فقال تعالى : * ( قل فلله الحجة البالغة ) * وذلك من وجهين : الوجه الأول : أنه تعالى أعطاكم عقولاً كاملة ، وأفهاماً وافية ، وآذاناً سامعة ، وعيوناً باصرة ، وأقدركم على الخير والشر ، وأزال الأعذار والموانع بالكلية عنكم ، فإن شئتم ذهبتم إلى عمل الخيرات ، وإن شئتم إلى عمل المعاصي والمنكرات ، وهذه القدرة والمكنة معلومة الثبوت بالضرورة ، وزوال الموانع والعوائق معلوم الثبوت أيضاً بالضرورة ، وإذا كان الأمر كذلك كان ادعاؤكم أنكم عاجزون عن الإيمان والطاعة دعوى باطلة فثبت بما ذكرنا أنه ليس لكم على الله حجة بالغة ! بل لله الحجة البالغة عليكم . والوجه الثاني : أنكم تقولون : لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة الله تعالى ، لكنه قد غلبنا الله وقهرناه ، وأتينا بالفعل على مضادته ومخالفته ، وذلك يوجب كونه عاجزاً ضعيفاً ، وذلك يقدح في كونه إلهاً .