فخر الدين الرازي

227

تفسير الرازي

فأجاب تعالى عنه : بأن العجز والضعف إنما يلزم إذا لم أكن قادراً على حملهم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء ، وأنا قادر على ذلك وهو المراد من قوله : * ( ولو شاء لهداكم أجمعين ) * إلا أني لا أحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء ، لأن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف ، فثبت بهذا البيان أن الذي يقولونه من أنا لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله ، فإنه يلزم منه كونه تعالى عاجزاً ضعيفاً ، كلام باطل . فهذا أقصى ما يمكن أن يذكر في تمسك المعتزلة بهذه الآية . والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول : إنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا ، ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التأويلات . وأجبنا عنها بأجوبة واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة . وإذا ثبت هذا ، فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، لوقع التناقض الصريح في كتاب الله تعالى فإنه يوجب أعظم أنواع الطعن فيه . إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى حكى عن القوم أنهم قالوا * ( لو شاء الله ما أشركنا ) * ثم ذكر عقيبه * ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) * فهذا يدل على أن القوم قالوا لما كان الكل بمشيئة الله تعالى وتقديره ، كان التكليف عبثاً ، فكانت دعوى الأنبياء باطلة ، ونبوتهم ورسالتهم باطلة ، ثم إنه تعالى بين أن التمسك بهذا الطريق في إبطال النبوة باطل ، وذلك لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا اعتراض عليه لأحد في فعله ، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ، ومع هذا فيبعث إليه الأنبياء ويأمره بالإيمان ، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع . فالحاصل : أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في إبطال نبوة الأنبياء ، ثم إنه تعالى بين أن هذا الاستدلال فاسد باطل ، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء ، وعلى هذا الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية ، وجميع الوجوه التي ذكرتموها في التقبيح والتهجين عائد إلى تمسككم بثبوت المشيئة لله على دفع دعوة الأنبياء ، فيكون الحاصل : أن هذا الاستدلال باطل ، وليس فيه البتة ما يدل على أن القول بالمشية باطل . فإن قالوا : هذا العذر إنما يستقيم إذ قرأنا قوله تعالى : * ( كذلك كذب ) * بالتسديد . وأما إذا قرأناه بالتخفيف ، فإنه يسقط هذا العذر بالكلية فنقول فيه وجهان . الأول : أنا نمنع صحة هذه القراءة ، والدليل عليه أنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على قولنا : فلو كانت هذه الآية دالة على قولهم ، لوقع التناقض ، ولخرج القرآن عن كونه كلاماً لله تعالى ، ويندفع هذا التناقض