فخر الدين الرازي
220
تفسير الرازي
كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر . فإن قال قائل : فيلزمكم في التزام هذا الحصر تحليل النجاسات والمستقذرات ، ويلزم عليه أيضاً تحليل الخمر ، وأيضا فيلزمكم تحليل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة مع أن الله تعالى حكم بتحريمها . قلنا : هذا لا يلزمنا من وجوه : الأول : أنه تعالى قال في هذه الآية : * ( أو لحم خنزير فإنه رجس ) * ومعناه أنه تعالى إنما حرم لحم الخنزير لكونه نجساً ، فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل . فوجب أن يكون كل نجس يحرم أكله ، وإذا كان هذا مذكوراً في الآية كان السؤال ساقطاً . والثاني : أنه تعالى قال في آية أخرى : * ( ويحرم عليهم الخبائث ) * وذلك يقتضي تحريم كل الخبائث ، والنجاسات خبائث ، فوجب القول بتحريمها . الثالث : أن الأمة مجمعة على حرمة تناول النجاسات ، فهب أنا التزمنا تخصيص هذه السورة بدلالة النقل المتواتر من دين محمد في باب النجاسات . فوجب أن يبقى ما سواها على وفق الأصل تمسكاً بعموم كتاب الله في الآية المكية والآية المدنية ، فهذا أصل مقرر كامل في باب ما يحل وما يحرم من المطعومات ، وأما الخمر فالجواب عنه : أنها نجسة فيكون من الرجس فيدخل تحت قوله : * ( رجس ) * وتحت قوله : * ( ويحرم عليهم الخبائث ) * وأيضاً ثبت تخصيصه بالنقل المتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم في تحريمه ، وبقوله تعالى : * ( فاجتنبوه ) * وبقوله : * ( وإثمهما أكبر من نفعهما ) * والعام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، فتبقى هذه الآية فيما عداها حجة . وأما قوله ويلزم تحليل الموقوذة والمتردية والنطيحة . فالجواب عنه من وجوه : أولها : أنها ميتات . فكانت داخلة تحت هذه الآية . وثانيها : أنا نخص عموم هذه الآية بتلك الآية ، وثالثها : أن نقول إنها إن كانت ميتة دخلت تحت هذه الآية ، وإن لم تكن ميتة فنخصصها بتلك الآية . فإن قال قائل : المحرمات من المطعومات أكثر مما ذكر في هذه الآية فما وجهها ؟ أجابوا عنه من وجوه : أحدها : أن المعنى لا أجد محرماً مما كان أهل الجاهلية يحرمه من البحائر والسوائب وغيرها إلا ما ذكر في هذه الآية ، وثانيها : أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن تحريم غير ما نص عليه في هذه الآية ثم وجدت محرمات أخرى بعد ذلك . وثالثها : هب أن اللفظ عام إلا أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز فنحن نخصص هذا العموم بأخبار الآحاد . ورابعها : أن مقتضى هذه الآية أن نقول إنه لا يجد في القرآن ، ويجوز أن يحرم الله تعالى ما سوى هذه الأربعة على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام . ولقائل أن يقول : هذه الأجوبة ضعيفة .