فخر الدين الرازي
221
تفسير الرازي
أما الجواب الأول : فضعيف لوجوه : أحدها : لا يجوز أن يكون المراد من قوله : * ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ) * ما كان يحرمه أهل الجاهلية من السوائب والبحائر وغيرها إذ لو كان المراد ذلك لما كانت الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب داخلة تحته ، ولو لم تكن هذه الأشياء داخلة تحت قوله : * ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ) * لما حسن استثناؤها ، ولما رأينا أن هذه الأشياء مستثناة عن تلك الكلمة ، علمنا أنه ليس المراد من تلك الكلمة ما ذكروه . وثانيها : أنه تعالى حكم بفساد قولهم في تحريم تلك الأشياء ، ثم إنه تعالى في هذه الآية خصص المحرمات في هذه الأربعة وتحليل تلك الأشياء التي حرمها أهل الجاهلية لا يمنع من تحليل غيرها ، فوجب إبقاء هذه الآية على عمومها لأن تخصيصها يوجب ترك العمل بعمومها من غير دليل ، وثالثها : أنه تعالى قال في سورة البقرة : * ( إنما حرم عليكم ) * وذكر هذه الأشياء الأربعة ، وكلمة * ( إنما ) * تفيد الحصر وهذه الآية في سورة البقرة غير مسبوقة بحكاية أقوال أهل الجاهلية في تحريم البحائر والسوائب فسقط هذا العذر . وأما جوابهم الثاني : وهو أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرماً إلا هذه الأربعة . فجوابه من وجوه : أولها : أن قوله تعالى في سورة البقرة : * ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ) * ( البقرة : 173 ) آية مدنية نزلت بعد استقرار الشريعة ، وكلمة * ( إنما ) * تفيد الحصر فدل هاتان الآيتان على أن الحكم الثابت في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء ، وثانيها : أنه لما ثبت بمقتضى هاتين الآيتين حصر المحرمات في هذه الأربعة كان هذا اعترافاً بحل ما سواها ، فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخاً ، ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ ، لأنه لو كان احتمال طريان الناسخ معادلاً لاحتمال بقاء الحكم على ما كان ، فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الأحكام لاحتمال أن يقال : إنه وإن كان ثابتاً إلا أنه زال ، ولما اتفق الكل على أن الأصل عدم النسخ ، وأن القائل به والذاهب إليه هو المحتاج إلى الدليل علمنا فساد هذا السؤال . وأما جوابهم الثالث : وهو أنا نخصص عموم القرآن بخبر الواحد . فنقول : ليس هذا من باب التخصيص ، بل هو صريح النسخ ، لأن قوله تعالى : * ( قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه ) * مبالغة في أنه لا يحرم سوى هذه الأربعة ، وقوله في سورة البقرة : * ( إنما حرم عليكم الميتة ) * وكذا وكذا ، تصريح بحصر المحرمات في هذه الأربعة ، لأن كلمة * ( إنما ) * تفيد الحصر ، فالقول بأنه ليس الأمر كذلك يكون دفعاً لهذا الذي ثبت بمقتضى هاتين الآيتين أنه كان ثابتاً في أول الشريعة بمكة ،